نحن بحاجة إلى مزيد من الحكمة والتحلي بالمنطق.

شكري بكر
ما يجري في سوريا بعد سقوط نظام الأسد وسيطرة هيئة تحرير الشام بقيادة أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع) يُجسد أزمة ثقة عميقة بين أبناء القوميتين العربية والكردية.
أبرز ما تحقق بسقوط نظام الأسد هو القضاء على الجهاز الأمني الذي كان يتحكم برقاب الشعب السوري بمختلف مكوناته السياسية والقومية والدينية والطائفية. المطلوب اليوم هو تعزيز الثقة المتبادلة وبثّ الطمأنينة بين العرب والكرد، والمضي قُدُمًا نحو طاولة حوار وطني تشمل جميع مكونات المجتمع السوري. يجب أن يتحلى الجميع بالعقلانية والمنطق، بهدف بناء دولة وطنية ديمقراطية تعددية برلمانية حرة، تكون سوريا فيها وطنًا يسع الجميع.
التحديات أمام بناء سوريا لكل السوريين
ما الذي يمنعنا من تحقيق هدفنا النبيل في بناء سوريا لكل السوريين؟
أعتقد أن السبب الرئيسي يكمن في عدم قراءة الواقع السوري بشكل موضوعي، سواءً من الزاوية السياسية أو القومية أو الدينية أو الطائفية.
مدخل للحوار الوطني
لو اجتمعت مكونات المجتمع السوري على طاولة حوار ترتكز على مبدأ العدالة والمساواة، بحيث يحصل كل ذي حق على حقه، فإن ذلك سيمهد الطريق لحل الخلافات. عندما يعترف كل طرف بما له وما عليه، سنتمكن من التعايش بكرامة في دولة متعددة الأعراق والأديان.
معضلة الأكثرية والأقلية
للأسف، هناك من ينظر إلى المسألة بمنطق الأكثرية والأقلية، ويسعى لجعل الأقلية خاضعة للأكثرية. قد يكون هذا النهج مقبولا في إطار التنافس الحزبي، لكنه غير ملائم للحالة السورية الحالية، التي تتميز بتعددية قومية ودينية وطائفية.
سوريا ليست دولة تقوم على عرق واحد أو حالة حزبية واحدة. ما نواجهه اليوم هو أزمة فقدان الثقة بين مكونات المجتمع، وخاصة بين العرب والكرد. من الخطأ النظر إلى القضية الكردية كأنها مسألة أقلية، مثل الأرمن أو السريان أو الآشوريين، لأن الشعب الكردي شعب أصيل يعيش على أرضه التاريخية، وليس مجرد أقلية وافدة.
القضية الكردية: جذور الخلاف
القضية الكردية في سوريا تمثل إحدى أبرز القضايا المسببة للخلاف. تجاوز هذه الإشكالية يتطلب التخلي عن العقلية الفوقية وضيق الأفق القومي والديني. إن النوايا الحسنة والاعتراف بالواقع التعددي لسوريا هما مفتاح بناء الثقة المتبادلة بين الجميع.
بناء جسور الثقة
بناء دولة ديمقراطية مرصوصة البنيان يتطلب دستورا تعدديا اتحاديا يضمن حقوق جميع مكونات المجتمع السوري. هذا النهج يقودنا إلى تأسيس دولة حديثة، تتبنى القيم الحضارية والأخلاقية، وتضمن العيش الكريم لجميع أبنائها.
الخطوات العملية لإعادة بناء الثقة
إعادة الثقة بين العرب والكرد تتطلب:
  1. اعترافا واضحا وصريحا من القومية العربية بحقوق الشعب الكردي العادلة والمشروعة، بما في ذلك حقه في تقرير المصير، وفقا للعهود والمواثيق الدولية.
  2. وحدة الصف الكردي من خلال:
    • إخراج كوادر حزب العمال الكردستاني من سوريا.
    • التزام حزب الاتحاد الديمقراطي بالعمل كحزب كردي سوري يمثل تطلعات الشعب الكردي.
    • دعوة جميع الأحزاب الكردية إلى طاولة حوار شاملة دون استثناء.
الخطوات التنفيذية
  • إنشاء إطار تمثيلي موحد للشعب الكردي في سوريا.
  • توحيد الخطاب السياسي الكردي.
  • دمج القوى العسكرية بين وحدات حماية الشعب والبيشمركة (روج آفا).
بناءً على هذه الخطوات، يمكن للوفد الكردي المشاركة في مؤتمر وطني سوري شامل، يُنتخب منه قيادة وطنية تمثل جميع مكونات المجتمع السوري. هذه القيادة ستكون مسؤولة عن تنفيذ القرارات الأممية المتعلقة بسوريا، والتي تشمل:
  1. تشكيل حكومة انتقالية.
  2. صياغة دستور جديد.
  3. إجراء انتخابات حرة ونزيهة.
الخاتمة
هذه القراءة الموضوعية للواقع السوري تعكس طريق الخلاص للسفينة السورية، للوصول إلى بر الأمان والاستقرار الدائم. ما ينتظره الشعب السوري اليوم هو إعادة بناء الثقة بين العرب والكرد. هذه الثقة هي المفتاح لبناء دولة ديمقراطية تعددية، تكون سوريا فيها وطنًا لكل السوريين، تضمن حقوقهم وتصون كرامتهم.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…