إشكالية الهوية الوطنية في سوريا.. الماضي، الحاضر، والمستقبل

كاميران حاج عبدو
تُعدُّ سوريا مثالًا لدولة متعددة القوميات والأديان والمذاهب، تزخر بتنوع ثقافي واجتماعي ولغوي. ومع ذلك، فشلت الأنظمة السياسية المتعاقبة في توظيف هذا التنوع كعامل قوة لبناء هوية وطنية جامعة. بدلاً من ذلك، اعتمدت سياسات إقصائية اختزلت مفهوم الهوية الوطنية في إطار ضيق، بعيدًا عن الاعتراف الحقيقي بالتعددية التي تميز المجتمع السوري.
على مدار تاريخها الحديث، لم تشهد سوريا مشروعًا جادًا يهدف إلى بناء “هوية سورية” شاملة، تُجسد تطلعات كافة مكوناتها. وبدلاً من ذلك، ركزت الأنظمة السياسية على فرض هوية عربية أو عربية-إسلامية، متجاهلة بذلك خصوصيات مكونات أخرى كالكرد، السريان-الآشوريين، التركمان، فضلًا عن التنوع الديني كالمسيحيين واليزيديين وغيرهم.
هذا التوجه الأحادي في صياغة الهوية الوطنية أدى إلى تهميش واضح وشعور متزايد بالاغتراب لدى العديد من المكونات، التي رأت نفسها خارج دائرة الاعتراف الرسمي. لقد عمقت هذه السياسات مشاعر الإقصاء وخلقت انقسامات اجتماعية وسياسية، ساهمت بدورها في تأجيج الصراعات العرقية والطائفية، والتي بلغت ذروتها في الحرب الأهلية التي اندلعت خلال العقد الأخير.
لإنقاذ سوريا من أزمتها المستمرة وتفادي تكرار أخطاء الماضي، لا بد من تبني رؤية سياسية واجتماعية جديدة تسعى لبناء دولة مدنية ديمقراطية تعترف بتعدد القوميات والأديان والمذاهب، وتعزز مبدأ المواطنة المتساوية. هذه الدولة يجب أن ترتكز على أسس الحرية والعدالة والمساواة، بعيدًا عن سياسات إنكار الآخر أو اضطهاده بسبب هويته القومية أو الدينية أو السياسية.
إن صياغة عقد اجتماعي جديد يضمن الحقوق والواجبات لجميع المكونات، دون تمييز، يمثل الخطوة الأولى نحو بناء مجتمع متماسك. وقد يكون إنشاء نظام اتحادي (فيدرالي) الحل الأمثل لتحقيق هذا الهدف. فمن خلال نظام اتحادي يقوم على اتحاد اختياري حر، يمكن لكل مكون إدارة شؤونه المحلية بحرية، ضمن إطار دولة موحدة تضمن السيادة والاستقرار.
بلا شك، فإن التحول نحو نموذج جديد للدولة سيواجه تحديات سياسية واجتماعية واقتصادية. فهناك عقبات ترتبط بالموروث الثقافي والسياسي، ومخاوف من احتمال تفكك الدولة أو تغليب مصالح فئة على أخرى. ومع ذلك، تبقى الفرصة سانحة إذا ما أُعيدت صياغة العلاقات بين مكونات المجتمع على أساس الحوار والتفاهم.
إن تعزيز ثقافة التسامح والاعتراف المتبادل، وتشجيع مبادرات المصالحة الوطنية، وصياغة دستور عصري يضمن حقوق الجميع دون استثناء، كلها خطوات أساسية لتحقيق هذا الهدف.
خاتمة
تحتاج سوريا إلى نموذج جديد للدولة، نموذج يُنهي عقودًا من الإقصاء والتهميش، ويؤسس لوطن يحتضن كل أبنائه دون تفريق.
فقط من خلال بناء دولة مدنية، تعددية، اتحادية، تقوم على العدالة والمساواة، يمكن لسوريا تجاوز أزماتها الراهنة وتحقيق السلام والاستقرار لجميع مواطنيها، ليكون التنوع فيها مصدر قوة وإثراء بدلًا من أن يكون سببًا للصراع والانقسام.
================
روداو

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

اكرم حسين الحديث عن مسؤولية «الكرد» عن ممارسات قوات سوريا الديمقراطية، وتحميلهم جماعياً نتائج سياسات وممارسات هذه القوة، هو خلط سياسي وأخلاقي لا يخدم الحقيقة ولا وحدة البلاد. أولاً: قسد لم تدّعِ يوماً أنها تمثّل الكرد السوريين ، ولم تكن مفوضة بالحديث باسمهم. بل إن مشروعها السياسي، منذ نشأته، قام على مفهوم «الأمة الديمقراطية»، وهو تصوّر عابر للهويات…

عبدالباقي اليوسف تقتضي لحظات التحول التاريخية في الشرق الأوسط نظرة واقعية تفكك المشهد بعيداً عن الشعارات المستهلكة؛ وما يشهده الإقليم اليوم من تسارع محتدم للأحداث—من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران إلى إعادة رسم خرائط النفوذ—ليس مجرد تفاصيل منفصلة، بل تجلٍّ لإعادة ترتيب واسعة لموازين القوى. وفي قلب هذه العاصفة، يأتي الموقف التركي الراهن تجاه القضية الكوردية ليرسم علامات استفهام كبرى؛ موقفٌ…

عبد الجابر حبيب لا أدري لماذا تسلل إلى ذهني مسلسل “صح النوم”، وبالتحديد ذلك المشهد الذي يحاول فيه حسني البرظان كتابة مقالته الشهيرة. يبدأ بثقة: “إذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في إيطاليا، فعلينا أن نعرف ماذا يجري في البرازيل.” ثم يتكفل غوار بإفساد كل شيء، فلا يكتمل المقال؛ لأن الواقع المؤلم الذي يعيشه كاتب المقال كان أثقل من أن…

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثانية: ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان… من الفكرة إلى المبادرة إذا كان تكرار الاعتداءات على إقليم كوردستان قد أصبح تهديدًا للاستقرار، وإذا كانت بيانات الإدانة لم تعد كافية لردعها، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو: ما البديل؟ البديل، برأيي، هو فتح نقاش دولي جاد حول إنشاء ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان، أو إطلاق مبادرة أممية…