المسؤولية السياسية في تجربة الإدارة الذاتية

سوسن ديكو

ما جرى في تجربة الإدارة الذاتية لا يمكن توصيفه بوصفه فشلًا مجتمعيًا، بل إخفاقًا سياسيًا وإداريًا تتحمّل مسؤوليته القيادات التي صاغت السياسات واتخذت القرارات، لا القوى العسكرية ولا الموظفون ولا الفئات التنفيذية ذات الصلاحيات المحدودة. ففي كل تجارب الحكم، تُقاس المسؤولية بموقع القرار لا بموقع التنفيذ، وأي محاولة لنقل تبعات الفشل إلى الحرس أو الجنود أو العاملين في المؤسسات الخدمية تُعدّ انحرافًا عن مبدأ المسؤولية السياسية ومخالفة لمعايير العدالة والمساءلة المؤسسية.
إن القوات العسكرية التي قدّمت التضحيات دفاعًا عن المجتمع لا يمكن تحميلها نتائج خيارات فكرية أو إدارية لم تكن طرفًا في صياغتها، بل يجب الفصل الصريح بينها وبين السلطة السياسية، وحماية حقوقها، وعدم استخدامها كدرع لامتصاص الغضب الشعبي أو لتبرير إخفاقات القيادات. فالمساءلة لا تُمارس على من نفّذ، بل على من قرّر وخطّط وأدار.
ومن منظور حقوقي، فإن حق المجتمع في النقد والمساءلة والمطالبة بتغيير السياسات والقيادات هو حق أصيل لا يجوز تقييده أو تجريمه. كما أن تحوّل النقد إلى خطاب حادّ في بعض مراحله هو نتيجة طبيعية لفشل السياسات العامة في تحقيق المشاركة والتمثيل والنتائج الملموسة، وليس دليلًا على عداء للمشروع أو للقضية.
كما لا يمكن اختزال أسباب التعثّر في مقولات من قبيل “غياب الحاضنة” أو “عدم جاهزية المجتمع”، إذ يتجاهل ذلك عوامل بنيوية واضحة، من بينها النزاع المستمر، والحصار، والتدخلات الخارجية، وغياب إطار قانوني ودستوري ناظم، وهي عوامل كفيلة بإضعاف أي تجربة حكم مهما كانت شعاراتها أو نواياها. تحميل المجتمع مسؤولية الفشل في ظل هذه الظروف لا يستند إلى تحليل موضوعي، بل يكرّس إنكار المسؤولية السياسية.
إن المطالبة بإعادة النظر في نموذج الإدارة، وفي بنيته الفكرية والسياسية، وفي الأشخاص الذين قادوه إلى هذا المآل، ليست فعل عداء ولا تخوين، بل ممارسة مشروعة لحق عام، وضرورة إصلاحية لا يمكن تجاوزها. فلا يمكن فرض أي نموذج حكم بالقوة المعنوية أو الأمنية، ولا مطالبة الناس بالصبر الدائم على الإخفاق دون مراجعة ومحاسبة.
الشرعية السياسية لا تُبنى بالشعارات ولا بالتضحيات وحدها، بل بالنتائج، وبالقدرة على الإصلاح، وبالاستعداد لتحمّل المسؤولية. وكل إدارة تفتقر إلى آليات مساءلة حقيقية، وإلى مراجعة جادّة لأخطائها، تظل مهددة بتآكل الثقة وفقدان الشرعية.
فقرة شخصية :
هذا موقف حقوقي لا انفعالي، ومسؤول لا تحريضي.
المساءلة ليست تهديدًا لأي مشروع، بل الحدّ الأدنى لاحترام الناس وحقوقهم.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي يواجه إقليم كردستان، أرض الصمود ونبض الجبل ووجع الحرية، مرة أخرى تداعيات صراع إقليمي لم يكن طرفاً مباشراً فيه، ولا يملك قرار اندلاعه، لكنه يتحمل جانباً من نتائجه الأمنية والسياسية. وتأتي الهجمات التي تستهدف مؤسسات الإقليم وشخصياته الرسمية بالصواريخ والطائرات المسيّرة لتطرح تساؤلات جدية حول احترام أمن كردستان وسيادة العراق واستقراره، ومسؤولية الأطراف الإقليمية والدولية في منع تحويل…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن المقاومة الإيرانية، شأنها شأن الشعب الإيراني، تطالب بجمهورية ديمقراطية قائمة على فصل الدين عن الدولة، والمساواة بين المرأة والرجل، وإلغاء عقوبة الإعدام، وإيران غير نووية خالية من أسلحة الدمار الشامل، مبنية على السلام والتعايش والتعاون الدولي والإقليمي، وتناضل من أجل إحقاق حقوق شعبها. وبعبارة أخرى، فهي تعمل قبل كل شيء على نقل السيادة إلى أصحابها الحقيقيين،…

عزالدين ملا في ذكرى ميلاد الرئيس مسعود بارزاني، تتجاوز المناسبة حدود الاحتفال بميلاد شخصية سياسية، لتصبح محطة تستعيد فيها الذاكرة الكوردستانية محطات طويلة من النضال والتضحيات والتحولات التي رافقت مسيرة الشعب الكوردي. فاسم مسعود بارزاني ارتبط، بالنسبة إلى شريحة واسعة من أبناء كوردستان، بتاريخ الحركة التحررية الكوردستانية وبمرحلة الانتقال من زمن الثورة والمواجهة إلى زمن المؤسسات والسياسة والدبلوماسية، ولذلك تحضر…

خالد حسو من يتخلّى عن قضيته الوطنية والمصيرية، تحت أي ذريعة كانت، سواء أُطلق عليها اسم التكتيك أو السياسة أو الواقعية أو الحسابات المرحلية، لا يخسر موقفًا عابرًا فحسب، بل يغامر بمكانته في ذاكرة شعبه والتاريخ. فالتاريخ لا يحفظ أسماء الذين فرّطوا بالحقوق حين اشتدّت المحن، ولا يكرّم من جعلوا من التراجع فضيلة، ومن التنازل سياسة، ومن الصمت حكمة. قد…