هل هي نهاية الحقبة الإيرانية؟!

مشاري الذايدي

 

سنمكث ويمكث العالم حيناً من الدهر حتى يتمّ استيعاب طبيعة ومدى وعمق التغيير الذي جرى في خلال العام ونصف العام الأخير، منذ حرب غزة وحرب لبنان، وضرب «حماس» ثم ضرب «حزب الله»، والآن «إنهاء» عصر الأسد من سوريا.

نتناول هنا الدور الإيراني المديد في المنطقة، وكانت سوريا ملعباً وأداة جوهرية في تمكين هذا الدور الإيراني، فكيف تلقّى العقل الإيراني المهيمن على حكم إيران هذا التغيير الكبير؟!

مرشد إيران، وكل الخمينية السياسية في العالم، علي خامنئي، في كلمته على موقعه الرسمي، في محاولة منه لمنع الانهيار المعنوي، قال إن «محور المقاومة» الذي تقوده إيران «سيكتسب قوة في أنحاء المنطقة بأكملها»، وأضاف: «… من خلال تعزيز صمود المقاومة، وزيادة دافعها في مواجهة الضغوط والجرائم، التي ستشمل المنطقة بأسرها».

ومثل ذلك، قال قائد حرسه الثوري، علي سلامي، لكن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، خالفهما وقال إن سقوط الأسد «سيتسبب في اختلال في العمق الاستراتيجي للقوى المرتبطة بالجمهورية الإسلامية».

كلام قاليباف هو الأقرب للواقع، فنحن لسنا تجاه سقوط عادي لنظام سياسي في سوريا، بل نحن إزاء تغيير كبير في بلاد الهلال الخصيب، بدايته من لبنان وسوريا.

من يتوغّل أكثر في العقول المنظّرة للتغوّل الإيراني خلال العقود الأخيرة، سيجد إحالاتٍ تاريخية عن العصور الذهبية الشيعية في هذه المنطقة، وإن من الواجب استعادة هذه اللحظة المشرقة، حسب رؤيتهم.

أشرتُ سابقاً، لهذه المرحلة، من خلال الإطلال على القرون الهجرية: نهاية القرن الثالث، والقرنين الرابع والخامس، وشيء من السادس، التي كانت عصور الهيمنة الشيعية في خراسان العراق وبلاد الشام ومصر وبعض الجزيرة العربية وبعض شمال أفريقيا.

غير أن هذه العصور انتهت بعد انتصار السلاجقة الأتراك على البويهيين، والأسرة الزنكية ثم الأيوبية على الفاطميين، والأسرة العيونية على قرامطة هجر، وكل هؤلاء كانوا سنّة يدينون بالولاء الديني والرمزي للخلافة العباسية.

هذه ليست قراءة طائفية، بل وصف موضوعي، فليست عصور السلاجقة ولا أمثالهم من العصور الجميلة، ولو جمّلتها القراءات التاريخية، حسب المدرسة التاريخية الإخوانية، لكننا نتحدث عن واقع موجود، ومن الحمق تجاهله.

هل يعني هذا نهاية العصر الإيراني؟!

من المبكّر قول ذلك، لكننا يمكننا القول إن العصر الإيراني الخميني يمكن أن يذهب لحال سبيله في أرشيف التاريخ، لو أحسن السوريون تدبير أمرهم، والبعد عن عقلية الانتقام، والقراءة الغيبية الخرافية للسياسة اليوم.

================

الشرق الأوسط

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن البديل الديمقراطي ضد الديكتاتورية الحاكمة في إيران لا يُعرّف بالشعارات والادعاءات. البديل الحقيقي هو القوة التي تمثل صوت المنتفضين، وتتواجد في قلب المعركة، وتستطيع نقل واقع انتفاضة الشعب الإيراني إلى الرأي العام العالمي. من هذا المنظور، فإن دراسة انتفاضة الشعب الإيراني وتداعياتها توفر معياراً واضحاً لتمييز البديل الحقيقي. التنظيم؛ الشرط الضروري للبديل إن دفع الاحتجاجات المناهضة…

إبراهيم اليوسف   كان الخوف يسكنني طويلاً كلما نظرت إلى أبناء الجيل الذي كبر بعيداً عن تراب الولادة. خشية على ارتباطهم بلغتهم. خشية من انقطاع الخيط الذي يربط البيت الأول بالشارع الجديد. خشية من أن تتحول الذاكرة إلى صورة باهتة معلّقة فوق جدار لا يلتفت إليه أحد. شعرتُ أن الغربة لا تكتفي بأخذ الجغرافيا، إذ تمضي أبعد فتأخذ الكلمات، ثم…

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….