نتعلم من الأخرين

د .

علاء الدين جنكو

ليس عيباً أن نستفيد من تجارب الشعوب الأخرى للإرتقاء بسمعة شعبنا، وكشف الملابسات والتشويهات التي أحيطت بنا نحن أبناء الشعب الكردي .
تخرج الزعيم الهندي المهاتما غاندي من الجامعة وغادر بريطانيا ليستقر به المقام في أول تجربة له بعد دراسته في جنوب أفريقيا، حيث أمضى فيها قرابة عشرين عاماً قبل أن يقود الثورة الهندية، وتحقيق أروع استقلال عرفة التاريخ .

كانت الجالية الهندية في جنوب أفريقيا هي المعنية بالدرجة الأول لغاندي، الذي نجح وبامتياز في الأرتقاء بالعنصر الهندي من أدنى مستوياتها في أشهر مجتمع عنصري عرفه العالم آنذاك .
وضع غاندي أساسين هامين لتعامله مع أبناء جلدته، وعمل جاهداً لتحقيقهما على مستوى جاليته الهندية :
1 – المحافظة على الهوية الهندية والعمل على مصالح أبنائها .
2 – دعوة الهنود في جنوب أفريقيا إلى الإلتزام الخلقي .
لاشك أن غاندي استخدم في جميع مراحل حياته النضالية سلاحاً غريباً وعجيباً في تأثيره ألا وهو سلاح اللاعنف أو المقاومة السلمية وتجنب المواجه مع الخصم والعمل بكل إخلاص فيما يخص شأنه الداخلي من إصلاح وتوجيه وارشاد من خلال برامجه الإجتماعية والثقافية والإقتصادية .
ما خطط له غاندي للجالية الهندية في جنوب أفريقيا مبادئ عامة تصلح ان تكون دواء لكل شعوب العالم وجالياتها ، فأي شعب لا يحافظ على هويته سيخسر مكانته بين شعوب العالم، وأي شعب لا يلتزم أبناؤه بالضوابط الأخلاقية سيكون موضع استهجان من قبل غيره من الشعوب .
وما أحوجنا نحن أبناء الشعب الكردي عموما وأبناء جالياتنا في جميع أنحاء العالم إلى هذين الدوائيين .
فما قيمة الكردي الذي يعيش في دولة يذوب في مجتمعها بالكلية جاعلاً (الإمعية) منهجاً له ، ناسياً أن الله تعالى خصه بهوية – قومية – يجب أن يعتزبها مهما كانت الظروف التي تحيط به .
وخصصت الهوية هنا بالقومية لأن بعض المغرضين يحاولون وبخبث أن يحكموا على المتدينين من المسلمين من ابناء شعبنا بأنهم أصبحوا عرباً وبدلوا هويتهم ، غير متصورين أنهم بهذا الطرح يبدون أكثر طبقات المثقفين غباء !!
وهنا لابد من التنويه على بعض النماذج التي أخفت هويتها في بعض المجتمعات العربية تملقاً ومجاملة وجبناً للحصول على مكاسب تافهة، وعرض من الدنيا قليل!!
كما أن بعض الذين ذابوا في المجتمعات الأوروبية وذلك بامتطائهم لمركبة التقليد الببغائي للعادات والتقاليد الجديدة عليهم ناسين ما كانوا يتمتعون به من خصائص تميزهم عن المجتمع الأوروبي مما يؤدي بهم الحال إلى ذوبانهم جزئياً وأبنائهم وأحفادهم كلياً !!!
بل وصل الحد ببعض هذه النماذج للنيل – وبكل وقاحة – من عادات وتقاليد شعبه، والإساءة لمعتقداته ودينه، من غير مراعاة لمشاعر أحد من بني جلدته، لدرجة أن تافهاً شبه المصلين من أبناء شعبه وهم مجتمعون بالمسجد بالحمير !!
أما على صعيد الالتزام الخلقي فكم من شخص أساء إلى سمعة شعبه من خلال بعض التصرفات غير اللائقة، والتي وصلت في بعض الأحيان إلى الجرائم الجنائية من سرقة ونصب واحتيال وسلوكيات لا أخلاقية كان تأثيرها سلبياً على سمعة شعبنا الكردي !!
لا شك أن التصرفات الفردية لا يمكن تعميمها على شعب بأكمله لكنها عندما تتحول إلى ظاهرة من خلال تكرارها تؤثر سلباً وبشكل كبير حتى لو كانت قليلة ..


إن دعوة غاندي العظيمة لأبناء جاليته ليس بدعاً في التاريخ البشري، لكنها أشبه بجرس إنذار لكل عاقل .
فعلى الرغم أننا أبناء الشعب الكردي نمتلك أعظم المبادئ الأخلاقية على مستوى العالم من خلال الالتزام بتعاليم ديينا الإسلامي الحنيف الداعية إلى الخير والعمل بكل وسائلها للابتعاد عن الشر، مع كل ذلك  لا مانع أن نقف أمام تجربة غاندي ونعيها ونفهما ونتذكر من خلالها ما نمتلكه من مبادئ رائعة، الإلتزام بها كفيل لجعلنا قدوة لكل من يعاشرنا أو يأتي بعدنا ، فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها هو أحق بها ..
وجميل أن أذكِّر إخوتي القرَّاء بموقف رائع سمعته لشاب كردي كان يعمل في شركة تجارية هنا في الإمارات ، وحصل أن طلب منه صاحب الشركة إيداع مبلغ من المال وقدره مئة ألف درهم إماراتي في حساب الشركة في البنك .
وكعادته عدَّ هذا الشاب المبلغ قبل تسليمه لموظف البنك، وإذ بعشرة آلاف درهم زائدة عن المئة، فعاد بها لصاحب الشركة ظانا أنه قد أخطأ في عدِّها !!
ابتسم صاحب الشركة ومبدياً سعادته قائلا للشاب : أنت بعد اليوم الآمر والناهي في هذه الشركة هذا المبلغ الذي عدَّت به كان اختباراً لك !!
ثار الشاب الكردي وجن جنونه ورمى كل ما في يده من أوراق أمام صاحب الشركة وأقسم أنه لن يعمل معه دقيقة واحدة، ثم قال له : ألا تخاف الله ماذا لو وسوست لي نفسي وأخذت المال ثم طردتني لخيانتي والأسوء من كل ذلك كلما ذكرتني قلت في نفسك أو للآخرين : أن كردياً سرقني وخان الأمانة معي !!

حاول صاحب الشركة بكل ما أوتي من قوة ليحافظ على هذا الشاب ويثنيه عن قراره لكنه رفض وبقي مصراً على موقفه؛ ليرسم في ذهن صاحب الشركة موقفاً لا يمكن تبديله مهما تغيرت الظروف فالكردي في تصوره تعني الأمانة والإخلاص وحيث ما وجد الكردي وجد الصدق في العمل ..

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

قامشلو – ولاتي مه : 6 نيسان 2026 برزت إلى العلن مؤشرات على وجود خلافات داخل قيادة حزب يكيتي الكردستاني – سوريا، عقب صدور بيانين متتاليين ومنسوبين إلى اللجنة المركزية للحزب، تضمّنا مواقف متباينة بشأن الأوضاع التنظيمية، ما أثار تساؤلات حول احتمال حدوث انقسام داخلي في الحزب. ففي 5 نيسان، أصدرت اللجنة المركزية بياناً عقب اجتماعها الاعتيادي، تناول جملة من…

شادي حاجي أزمة السياسة الكردية لم تعد عرضاً جانبياً ، بل صيرورة بنيوية . لم يعد السؤال مجرد اعتراف بالقضية ، بل قدرة من يدّعون تمثيل الشعب الكردي على الارتقاء بها . الواقع واضح : أحزاب متنافرة، برامج غامضة، وصراعات شخصية تحلّ محل المشروع القومي والوطني العام . الفرصة التاريخية التي جاءت مع الحرب السورية ذهبت أدراج الرياح بسبب…

خالد حسو وأنا أترقّب هذه العودة، يملأني أملٌ صامت بأن يأتي يومٌ أعود فيه أنا أيضًا، بعد فراقٍ طال حتى أثقلته السنوات، وامتدّ لأكثر من أربعة عقود من الزمن. أربعون عامًا وما يزيد، لم تكن مجرد غيابٍ عابر، بل مسافةً كاملة بين الإنسان وذاكرته، بين الروح ومكانها الأول، وبين القلب وما ظلّ ينتمي إليه رغم كل شيء. كان هذا البعد…

سمكو عمر لعلي يقولون إنّ بعض الظنّ إثم، غير أنّ ما نشهده اليوم يدفع المرء إلى التأمّل العميق، بل وإلى طرح الأسئلة التي طالما حاولنا تجاهلها أو تأجيلها. لقد قلناها مراراً وتكراراً: إنّ الانشقاقات التي عصفت بصفوف الأحزاب الكوردية لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل كانت – في كثير من مراحلها – صنيعة أنظمةٍ معادية، وفي مقدّمتها نظام حزب البعث…