رداً على محمد جابر الأنصاري.. من يرمي العرب في البحر؟

إبراهيم اليوسف

تحت عنوان (والعرب هل نرمي بهم في البحر؟) يكتب المفكر البحراني د.

محمد جابر الأنصاري في جريدة الخليج صفحة رأي 8 اكتوبر 2009 العدد11099 مقالاً، يحاول خلاله تحديد العلاقة بين العرب وغيرهم في ” المجتمعات العربية” .

وإذا كان القارئ سيلاحظ ارتباك المفكر في طرح فكرته خلال الأسطر الأولى في مقاله المذكور، بل وغرقه في الضبابية، إلا أنه سرعان ما يستطيع العودة إلى توازنه ،و وضوحه المعروفين عنه، ضمن إطار منظوره كمفكر ذي خصوصية.
ولعل القارئ لن يعرف ما معنى عبارة ” يجب عدم  خلط الأوراق في مسألة حيوية كمسألة علاقة العرب بغيرهم في المجتمعات العربية، والتي تعد مفتاح مقاله- هكذا- ليعقب هذه العبارة بقوله مباشرة” بعد أن يتم التسليم والإقرار، إن من حق الأخوة الأكراد (في العراق وسوريا، والأخوة الأمازيغ) في بعض دول المغرب العربي الكبير، وغيرهم من الجماعات المتميزة الأخرى، إن وجدت، التمتع بكياناتهم الذاتية، واستخدام لغتهم الأم الخاصة بهم في التعليم والإعلام ومختلف مظاهر الحياة العامة والخاصة، بعد هذا ماذا عن حق العرب في الوجود؟ وهل سيرمى  بهم في البحر؟ ومن ثم يوضح من هم العرب ، فإذا بهم : السنة، والشيعة، الزيود والأباضية والدروز، النصارى واليهود الذين تمثل اللغة العربية لغتهم الأم ، كي يبلغ توازنه – الذروة- حين يتحدث عن أدلجة العروبة كما كانت لدى ساطع الحصري ، وتحلقها ك- ثقافة- كما هي لدى طه حسين وتوفيق الحكيم، وإن كان هو نفسه قد رد – أثناء فترة التطبيع  مع إسرائيل- على الأخير، بيد أنه يرى –الآن- بأنه أكثر صواباً، بل إنه و د.طه حسين الأكثر ديمومة لأنهما دعيا إلى عربية التسامح – الأبقى- لا عربية الأيديولوجيا الحصرية التي يراها زائلة، ويرى أن من دخل الإسلام طوعاً ، لا يزال تحت إطار ثقافة هذا الدين، وإن من دخله- مكرهاً- والإكراه تم على أيدي الأغيارمن غير العرب؟  فإنهم لا يزالون تحت ظل هذه الخيمة .
 
كما يشير المفكر الأنصاري –على نحو خاطف- إلى الإخلال بحقوق الإنسان بعامة (ضد الغالبية العربية) من قبل بعض الأنظمة التي تفكر بديمومة كراسيها، فحسب، في الوقت  الذي تمارس تطبيقاتها المنفرة باسم العروبة، والعروبة منهم براء-على حد قوله- يحق الأقليات .
 
وإذا كان يسجل للمفكر موقفه تجاه الأقليات على أن يتمتعوا  ب” كيانات” كذا – خاصة لهم ، إلا أن ترجمة الكيان تتبدى- برأيه- في استخدام اللغة الأم ، والتعليم، والإعلام، ومختلف مظاهر الحياة الخاصة، وإن كان تأطير وتحديد هذه العلاقة من قبل الأكثرية تجاه الأقلية، وهو ما يكون في حال وجود علاقة : مضيف وضيف ، إلا أن –الكرد- مثلاً يعيشون منذ مئات القرون في كردستان التي تمت تجزئتها بين عدة بلدان، وثمة من يسعى –حتى الآن-  من أجل امحاء هويته، وتعريبه، بل إن ملايين الكرد قد تم تذويبهم من قبل القوميات التي تقتسم كردستان، ومنهم من يعد للأسف في طليعة المعادين لحقوقهم القومية .
إن حالة احساس بعض- الأرمن بانتمائهم للعروبة والذود عنها من قبلهم ، لا يمكن تعميمها، لأن  الأرمني في لبنان ، تم تهجيره من مناطق تواجده، ووطنه، و لعله لم يجد سوى خيمة العروبة للدفاع عنها، وهي حالة- شاذة- فردية، غير قابلة للتعميم، خاصة أن بعض الأرمن وجد في مثل هذا اللوذ رداً على اليد التي بطشت بهم، وكانت وراء تهجيرهم من مناطق سكناهم الأولى.
كما أن القوميات التي تتعايش ضمن العالم العربي ، لا يمكن النظر إليها على أنها : أقليات، لأن مفهوم الأقلية السكانية، قياساً للعنصر العربي، لا يمكن الاحتكام إليه في مسألة الفصل بين العربي والأقلوي، بل لا بد من تدقيق المصطلح تماماً.
 

 عموماً، إن أحداً لم يقل برمي العرب في البحر، وهي عبارة لم  ينتجها العقل الأقلوي،  ويمكن –هنا- النظر إلى تجربة كردستان العراق، على سبيل المثال، حيث اعتبر الكرد أنفسهم ضمن السقف الوطني العراقي الواسع ـ طوعاً- وفي أقوى لحظة يمكن تصورها بالنسبة إليهم، في 19 نيسان 2009 دون التفكير ببناء جدار بينهم وأخوتهم العرب، من خلال قراءة واعية لمفهوم الشراكة الوطنية الحقيقة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…