النظام الإيراني بين المطرقة والسندان!؟

نظام مير محمدي *

في الأسابيع الأخيرة، كان النظام الإيراني يتصارع مع عواقب حرب غزة، وهو الصراع الذي ينبع جزئياً من سياساته الطويلة الأمد في إثارة الحرب والإرهاب الدولي. وقد أدت هذه السياسات، التي تعمل كركائز أساسية للقمع المحلي والاستغلال الاقتصادي للشعب الإيراني، إلى خلق وضع متقلب داخل إيران، مما يزيد من خطر الاضطرابات المجتمعية – وهو احتمال ينظر إليه النظام باعتباره كابوسًا.
إن جوهر السياسة الخارجية للنظام الإيراني يكمن في مبدأين: الإرهاب الدولي والصراع الإقليمي، إلى جانب الاستفادة من سياسات الاسترضاء الغربية. ومع ذلك، فإن التأثيرات الاستراتيجية لحرب غزة تفرض ضغوطاً غير مسبوقة على النظام، وتكشف عن تكلفة هذه السياسات التي استمرت لفترة طويلة.

التكلفة الباهظة للفشل الاستراتيجي

في عالم السياسة، غالباً ما يترتب على التحول في الاستراتيجية أو الفشل الاستراتيجي ثمن باهظ. وينطبق هذا بشكل خاص على النظام الإيراني، الذي يجد نفسه الآن عاجزاً عن عكس عواقب نهجه. ولم يؤثر فشل سياسته الخارجية على بنيته السياسية فحسب، بل إنه يعمل أيضاً على تأجيج التوترات الاجتماعية داخل البلاد. ويبدو أن المجتمع الإيراني، الذي كان تحت وطأة القمع لفترة طويلة، يقترب من نقطة الانهيار، مع تزايد احتمالات الاضطرابات الواسعة النطاق كل يوم.
على مر السنين، حاول النظام تخفيف بعض هذه الضغوط من خلال التبديل بين الحكومات الإصلاحية، لكن هذا التكتيك فشل باستمرار في تغيير الطبيعة الأساسية لسياسته الخارجية. والسبب واضح: إن أجندة النظام الخارجية، المبنية على تصدير الإرهاب وتعزيز الصراع الإقليمي، غير متوافقة جوهرياً مع أي إصلاح ذي معنى. والتحول الحقيقي نحو الإصلاح من شأنه أن يستلزم تغييرات داخلية من شأنها أن تخفف قبضة النظام على السلطة ــ وهو أمر لا يرغب النظام في المخاطرة به.
وينعكس هذا الشعور بشكل متزايد في وسائل الإعلام التابعة للنظام. في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول، وصفت صحيفة هم ميهن اليومية المملوكة للدولة مأزق النظام، قائلة: “بعد أربعة عقود، أصبحت إيران الآن في وضع هش وحساس”. ويؤكد هذا الاعتراف على عمق التحديات التي يواجهها النظام، سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي.

الاضطرابات الإقليمية والمحلية

إن الفشل الاستراتيجي في غزة ليس حدثاً معزولاً؛ بل لديه القدرة على إعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي بأكمله في الشرق الأوسط. وكما أشارت هم ميهن، “قد تؤدي التطورات في لبنان إلى تغييرات واسعة النطاق في المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط. وإذا حدث هذا، فستواجه إيران أيضاً مشاكل في استراتيجيتها الإقليمية. ولن تواجه إيران قضايا في المنطقة فحسب، بل وأيضاً داخلياً”.

في أعقاب الهجوم الصاروخي الذي شنه النظام على إسرائيل في الأول من أكتوبر/تشرين الأول، وإصرار إسرائيل القوي على الرد، يتزايد الخوف بين المسؤولين الإيرانيين بشأن العواقب. ويحاول المرشد الأعلى للنظام علي خامنئي طمأنة الموالين له بأن شيئاً لن يحدث. وعلى الرغم من هذه التطمينات، فإن السخط الداخلي للنظام لا يزال ينمو، حيث تخشى بعض الفصائل من صراع أوسع نطاقاً قد يجتذب الولايات المتحدة وأوروبا.

في هذا السياق، تُعتبر كلمة محمد باقر قاليباف التي ألقاها في مشهد يوم الخميس ١٧ أكتوبر/تشرين الأول ٢٠٢٤ مليئة بالخوف وجديرة بالتأمل. في هذه الكلمة، التي ألقاها لتعزيز الروح المعنوية لقوات النظام، حدد خطين أحمرين بوضوح وقال:

“لدينا خطان أحمران من أجل أن نصبح أقوياء: الخط الأحمر الأول هو مسألة النزاع والصراع في المجتمع. يجب علينا أن نتجنب أي نوع من النزاع في المجتمع. اليوم، عدونا قد جاءنا بحرب مركبة، مستخدماً القوة الناعمة والصلبة والذكية ضدنا. ومن هذا المنطلق، فإن كل من يثير الخلاف في المجتمع الإسلامي، سواء كان عن قصد أو بغير قصد، هو عميل وعدو للإسلام!

الخط الأحمر الثاني هو عدم الخوف، وهذه نقطة مهمة! ممَّن تخافون؟ من عدوٍ حتى وإن كان يمتلك التكنولوجيا والقوة لكنه جبان ولا يمت بصلة للإنسانية؟! لا ينبغي أن نخاف من هذا العدو، بل يجب أن نخاف من الله وحده، ولا نخاف من أي شخص آخر. إذا لم نخاف من الله، فإننا سنخاف من أي أحد وسنذل أمام أي شيء تافه.

وأضاف قاليباف قائلاً: “نحن سنثبت ونواصل المسير، وإذا لم نخاف وكنا على هذا الحال، فإن الله سيكمل نعمه علينا وسيهدينا إلى طريق يؤدي إما إلى الشهادة، وهو فوز عظيم، أو نكون مثل الذين ينتصرون في الدنيا وفي حضرة الله، فتشملنا هذه النعمة العظيمة الإلهية!” (كلمة محمد باقر قاليباف في مشهد ١٧ أكتوبر/تشرين الأول ٢٠٢٤ نقلاً عن وكالة ميزان للأنباء، الموقع الرسمي للسلطة القضائية).

التأثير المتكرر للحرب

من المتوقع أن تخلف حرب غزة تأثيراً ضاراً متتالياً على النظام الإيراني، سواء على المستوى الإقليمي أو المحلي. فقد زعم مقال نُشر مؤخراً في صحيفة أرمان ديلي المملوكة للدولة بعنوان “365 يوماً كابوساً في الشرق الأوسط” أنه إذا كانت المقاييس المستخدمة لتحديد الفائزين والخاسرين تستند إلى مقاييس تقليدية للخسائر والأضرار، فإن “الجانب الإسرائيلي هو الفائز بلا شك في هذه الحرب، حيث ألحق خسائر وأضراراً غير مسبوقة بالجانب الفلسطيني، ودمر قطاع غزة وبنيته التحتية، ومذبحة راح ضحيتها 42 ألف فلسطيني”.

ومع استمرار الحرب، يجد النظام نفسه محاصراً بشكل متزايد في حلقة من الحسابات الاستراتيجية الخاطئة. وقد لا تؤدي العواقب المترتبة على هذه السياسات إلى إعادة تعريف التوازن الجيوسياسي في الشرق الأوسط فحسب، بل قد تجبر النظام أيضاً على مواجهة الاضطرابات الداخلية على نطاق غير مسبوق. مع اقتراب التوترات المجتمعية من نقطة الغليان وتعرض التحالفات الإقليمية للضغوط، قد يواجه النظام الإيراني قريبًا التكلفة الحقيقية لإخفاقاته في السياسة الخارجية.
*كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيض ا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…