المكتومون بينَ فرحةِ إلغاء التأشيرة التركية, وأمل الحصول على الجنسية

عارف رمضان *

استقبلَ العالمُ خبرَ إلغاءِ سمةِ الدّخولِ (التأشيرة) بينَ الجارتين: سوريا وتركيا قبيلَ عيد الفطر بسرور كبير، وأصبحَ العيدُ (عيدين) لشعوب الدولتين بشكلٍ عامٍّ , والكورد بشكل خاصّ , وخيرُ دليل على ذلك دخولُ أكثرمن7500-(سبعة آلاف و خمسمئة) شخص في اليوم الأوّل إلى (قامشلو) عدا بوابات (سري كانيه) و(عفرين) و(باب الهوى) بمشاركةِ كرنفاليةٍ من الفرق الفلكلوريّةِ الكورديّةِ معبّرينَ عن فرحتهم، فربما تكونُ بداية النهاية لوقفِ استنزافِ الدّم الكوردي, والتي فقد على أثرها أكثرُ من 40 ألفاً- أربعين ألفاً – من الأبرياء ممّنْ ناضلوا في سبيل قضيّتهم العادلة, ووضع حدٍّ للمأساة التي امتدّتْ لعدةِ عقودٍ من الزمن, فمنذ تجزئةِ الوطن وقطعِ أوصال الشعبِ بينَ (سرخت و بن خت) وزرع الألغام والأسلاك الشائكة التي فرّقتْ بينَ المدن والقرى على طول الحدود من (ديريك) مرورا (بتربة سبّي) و (قامشلو) إلى (عامودي) و تلّتُها لاتزالُ شامخة وراءَ الحدود و(درباسية) و(سري كانيه) و(كوباني) وحتى (عفرين) وتفتّت العوائل بينَ الحدودين
 فهؤلاء جميعُهم من الكورد السوريين الذين يفوقُ تعدادُهم على 3 ملايين (ثلاثة ملايين) ويشكّلونَ القوميّة الثانية في البلاد, انقطعت السّبلُ بينهم وبينَ إخوتِهم منْ أبناءِ جلدتم في الطرف الآخر من الحدود , وهم أيضا يزيدُ تعدادُهم عن ال(30) مليونا , ويشكلونَ أيضا الجنسيّة الثانية في تركيا.

فإذا مرضَ أحدُ أفراد العائلة في أيّ طرفٍ كان , فعلى أقاربهِ في الطرف الآخر أنْ يستقلوا القطار أو الحافلات عدّة مئاتٍ من الكيلو مترات ذهابا وإيابا للحصول على تأشيرة دخول , ناهيك عن الانتظار-  لساعاتٍ طويلةٍ – في طوابير القنصليات والسفارة (عدا الإهانات والاستفزازات واستنزاف الجيوب لمَنْ هو على عجلةٍ من أمرهِ) وفي نهايةِ المطاف يعبرُ الحدودَ , و لكنْ بعدَ أنْ يرحل المريضُ إلى جوار ربّهِ تاركا حسرة أبديّة في عدم لقاء الأحبّة قبلَ موته.

هذا بالنسبة لميسوري الحال.

أمّا الفقراءُ فمنهم مَنْ لم يتمكنوا من الوصول تحتَ خيمةِ العزاء التي على الأغلب تستغرقُ ثلاثة أيام ٍ ’ وذلك لعدم استطاعتهم دفع الرشاوي لسماسرة القنصليات وبوابات العبور، أمّا المكتومون فكانوا ولايزالونَ يحلمونَ – فقط – برؤية قبور موتاهم بل الكثير منهم يموتُ على فراشه لعدم تمكّنهِ من السفر للعلاج خارجَ الدولة.

إنّهم أكرادٌ سوريون ممّنْ جُرّدوا من جنسيتهم, بموجب الاحصاء الاستثنائيّ الجائر لعام – 1962 – الذي طبّقَ في المناطق الكوردية, وتمّ تجريدُ أكثر من 150 ألف (مئة و خمسين ألف) شخص , ممّنْ حُرّموا بموجبه من جميع حقوقهم الإنسانيّة البسيطة , وعددُهم الآنَ  حوالي  300 آلاف ( ثلاثة آلاف) ولايزالون يُولدونَ دونَ جنسيّة .
  وقد سبقَ للرئيس السوري بشار الأسد أنْ صرّحَ بعدَ انتفاضة آذار عامَ – 2004- بأنّ الأكراد هم جزءٌ من النسيج الاجتماعيّ السوريّ , لكنّ الفرحة لم تدمْ طويلا , فسرعانَ ما بدأت الاعتقالاتُ العشوائيّة للعشرات من الأكراد – النساء والرجال – المغلوبين على أمرهم , وزجّهم في السجون والمعتقلات المظلمة.
الرئيس السوري بشار الأسد والتركي أعلنا مؤخرا عن نيّتهم بالعفو عن المقاتلين الكورد – إذا ما تخلوا عن السلاح – فماذا عن الوطنيين السوريين الذين لم يحملوا السلاحَ يوما ؟.

أليسَ من الحقّ العفو عنهم ؟, وإخلاءُ سبيلهم من السجون.؟  
تركيا التي كانتْ تعدمُ وتنفي لمجرّد الحديث بالكردية، والآن يصرّحُ رئيس الجمهورية التركية : إنّ للكرد الحقّ في التحدث بلغتهم .


 وستُدرسُ اللغة الكوردية في الجامعات التركية , ويمكنُ للطلبة الراغبين نيلُ شهادات الماجستير والدكتوراه، في حين ما يزالُ الكردُ في سورية، يُعتقلونَ ويُحاكمونَ بمجرّد أنّ كردياً وُجدتْ معه أبجدية باللغة الكردية.
 رئيس الجمهورية وفي زيارتهِ إلى محافظة الحسكة قالَ بأنه ضدّ مرسوم الإحصاء, والمسؤولون يقولون بأنّ الحلّ آتٍ , والمسألة فنية , ومجرد وقت , والجميعُ بانتظار فكّ رموز المسألة الفنية وإعطاء الحقوق لمَنْ سُلبتْ منهم , وهم في وطنهم أسوة بإخوتهم المواطنين خارجَ الوطن في الجولان المحتلّ , أؤلئك الذين عرضَ عليهم رئيس الجمهورية بطاقة هوية الجنسية السورية ليكملوا – معا – بناءَ الوطن .
فلنأمل الخير, ونقول : بأننا طالبو السلام، نمدُّ يدَنا لشركائنا، لننعمَ ونعيشَ بحريّة، وبقبول الآخر والتآخي معه، ولنحطمَ سوية جدرانَ الوهم الذي بناه يدُ المغرضين، وطلبة الفوضى, ومهزومو التاريخ.


* مدير مؤسسة سما للثقافة والفنون

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…