بوتين حفر لأردوغان حفرة عميقة

صالح بوزان
كان من أهم أسباب انتصارات هتلر في الوصول إلى السلطة وانتصاراته بداية الحرب العالمية الثانية اتقانه المتميز لفن الخدعة. لقد خدع الانكليز والفرنسيين، بل خدع ستالين. لكني أعتقد أن بوتين تجاوز هتلر في الخديعة. إنه يتقن هذه اللعبة بشكل مدهش. 
كان بوتين يعرف أن اسقاط الطائرة الروسية من قبل تركيا يعبر عن تناقضات حادة داخل الدولة التركية، ولا بد أن جهات أجنبية وراءها أيضاً. لكنه أراد حصر الموضوع بتركيا لتحقيق هدفين. الأول عدم فتح معركة مع الغرب وخاصة مع أمريكا، لأن هكذا معركة ستفشل كل مخططاته في الشرق الأوسط ولا سيما في سوريا. والثاني، للتفرد بتركيا دون أن تحصل الأخيرة على غطاء غربي، وخاصة من قبل حلف ناتو. وهذا ما حدث. 
أذلّ بوتين أردوغان إذلالاً مقيتاً. أجبره أن يأتي إليه ويعتذر أمامه في بيته. لم يكتف بذلك. بل حوله إلى خادم لسياسته في سوريا. فحصل على حلب بعد أن أجبره للتخلي عن أغلب أوراقه في سوريا. تنازل عن الائتلاف السوري المعارض وعن الكتائب الاسلامية الراديكالية.  ومن يابان أعلن بوتين للعالم أن ما يجري في حلب تم بالاتفاق مع أردوغان في زيارته الاعتذارية إلى سان بطرسبورغ. وكان هذا التصريح مقصوداً.
منذ اعتذاره تصرف أردوغان كما يرغب بوتين. قام بهجوم شديد ضد الولايات المتحدة الأمريكية والغرب. وأدار كل الاعلام التركي بهذا الاتجاه. لاحظنا ذلك من خلال تصريحاته وخطبه، ومن خلال المتحدثين عن حزب العدالة والتنمية في المقابلات والحوارات التلفزيونية. لقد أجمعوا أن حزب العدالة والتنمية وجماهيره يعتبرون أمريكا والغرب الأعداء الفعليين للشعب التركي. 
حجّم بوتين أردوغان إلى سياسي قزم. فلو قارنا استراتيجية أردوغان قبل وخلال اسقاط الطائرة الروسية بما بعد الاعتذار للقيصر الروسي، سنجد كم تقلصت إستراتيجيته. فمن استراتيجية الهيمنة على سوريا ولعب الدور الأساسي في الشرق الأوسط إلى استراتيجية تختزل في منع حزب الاتحاد الديمقراطي ربط كوباني بعفرين.
جاء مقتل السفير الروسي ليزيد من خضوع أردوغان لمخططات بوتين. فالجهة التي تقف وراء مقتل السفير هي من داخل حزب العدالة والتنمية دون شك. وبوتين يدرك ذلك. ولكي نصل إلى مبررات هذا التوقع لا بد من العودة إلى أردوغان نفسه. في السنوات الأخيرة وجه أردوغان حزبه لتبني العقلية الاسلامية العثمانية. وهذه العقلية لا تختلف عن عقلية اسلام داعش والقاعدة. وبات معلوماً أن قسمأ من أعضاء حزبه أصبحوا يجسدون هذه العقيدة الاسلامية الراديكالية أكثر من ايمانهم بأردوغان ومبادئ الحزب. هم يشكلون تياراً داخل حزب العدالة والتنمية وداخل أجهزة الدولة بعد ما سمي بالانقلاب الفاشل.هذا التيار غير راض عن خضوع أردوغان المذل لبوتين. ويحمل هذا التيار حقداً دفيناً تجاه روسيا يعود لعهد روسيا القيصرية. وبالتالي يريد هذا التيار متابعة الحلم العثماني بعد أن أدرك  أن أردوغان (وهو صاحب الحلم أصلاً) تراجع عنه لصالح أهدافه الخاصة في أن يصبح سلطاناً صغيراً. لاشك أن أردوغان تراجع عن حلمه العثماني لإدراكه أنه غير قادر على تحقيقه في هذا العصر الذي تسود فيه قوى عظمى. 
نحن هنا أمام شرخ أيديولوجي داخل حزب العدالة والتنمية. 
بوتين يعرف هذا الصراع التركي الداخلي. كما أنه يدرك أن من المستحيل إقامة تحالف موثوق مع تركيا مادامت هي جزء من حلف الناتو. وقد قال وزير الدفاع الروسي منذ يومين أن هذا الحلف عزز أحدث الأسلحة في تركيا ضد روسيا.
لن يستطيع أردوغان الانسحاب من حلف ناتو. لأن بقاء تركيا كدولة مرتبطة بوجودها في هذا الحلف. ما يريده بوتين هو إضعاف تركيا، وربما تمزيقها بطريقة جديدة. لقد أصبح كل محيط تركيا ضدها. الشعب السوري أصبح ضد تركيا، وما يتحدث به بعض المتخاذلين من الائتلاف لا يعبر عن الواقع. فالائتلاف من الداخل يقر بغدر أردوغان له. كما أن الكتائب الاسلامية الراديكالية في سوريا هي الأخرى أصبحت في عداء شديد لتركيا نتيجة خيانة أردوغان في حلب. الكتائب التي مازالت موالية لأردوغان محدودة العدد، بل هي مجموعات من المرتزقة. ففي جبهة الباب نرى أن الذي يقاتل داعش هو الجندي التركي وبعض التركمان. أما السوريون فهم سريعو الهزيمة أمام داعش لأنهم فعلاً مرتزقة. قوات وحدات حماية الشعب هي الأخرى ضد تركيا، وهي مدعومة من قبل أمريكا. بمعنى آخر أن أردوغان لن يستطيع القضاء عليها. الحكومة السورية لن تغفر لأردوغان ما فعلت ضدها. ولهذا لن تتصالح مع تركيا إلا شكلياً وتحت ضغط بوتين وربما بالاتفاق معه. إيران ضد تركيا وكذلك العراق. زد على ذلك أن الأمريكان والغرب عموماً أصبحوا يدركون أن تركيا ليست شريكاً فعلياً لهم في هذا القرن مقارنة بالقرن الماضي. فكل السياسات التركية في عهد أردوغان لا تتفق مع المصالح الغربية وخاصة منذ اعتذاره لبوتين. وهناك احتمال كبير أن تتحد جبهة النصرة مع داعش نتيجة الخطر القادم على كليهما من أمريكا وروسيا، وتخلي أردوغان الواضح عنهما. وستفتح هاتان الجهتان معركة شرسة ضد تركيا ليس من الأراضي السورية فحسب، بل ومن داخل تركيا أيضاً. في تركيا الحاضنة الشعبية جاهزة لاستقبال داعش والنصرة أكثر من سوريا، نتيجة سذاجة العقلية الاسلامية لدى الشعب التركي. ولا يستبعد أن يصطف قسم من الكرد من رفاق وجماهير أردوغان مع داعش والنصرة. لأن هؤلاء مرتبطون بحزب العدالة والتنمية وبأردوغان لدوافع دينية ومصالح مادية. 
لن تقف عندئذ أمريكا والغرب مع تركيا في هذا الصراع الداخلي، وستكون روسيا عاملاً لتسعيره. ولن تكون قاعدة انجرليك سبباً كافياً لأمريكا من أجل الحفاظ على تركيا، لأنها لن تجد أية صعوبة لإيجاد قاعدة بديلة في منطقة الشرق الأوسط.
أعتقد هذه هي الحفرة التي أعدها بوتين للسلطان الصغير.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…