معارضة افتراضية

د. ولات .ح. محمد
   لم يلمس السوريون من معارضتهم حتى الآن ما يشي بأنها مختلفة عن النظام الذي تعارضه، وبأن مشروعها مختلف وبأن رؤيتها مغايرة سواء أكان على مستوى المشروع الوطني عموماً أم في ما له صلة بالكورد على نحو خاص. وبدلا من تقديم رؤية مغايرة منتظرة منهم اعتاد الكورد أن يخرج بين فينة وأخرى أحد أقطاب هذه (المعارضة؟) ليشتمهم أو يهينهم أو يتهمهم بطريقته الخاصة، في تعبير صارخ عن حمله للفكر الإقصائي ذاته الذي يدعي أنه خرج معارضاً له ساعياً لتغييره !!.  وآخر أولئك الأقطاب السيد حازم نهار الذي كتب أن بعض الكورد وبعض العرب هم مخترعو العالم الافتراضي متحدثاً عن الفكر القومي ودعاة القومية عند الطرفين؛ فالكوردي الذي يطالب بدولة قومية يعيش في عالم افتراضي، وكذلك العربي الذي يطالب بدولة قومية عربية. هنا سأكتفي بتسجيل مجموعة من الملاحظات السريعة على ما جاء في منشور السيد نهار الموجود في نهاية هذا المقال: 
1 – المسعى القومي لدى الكورد يختلف عنه لدى العرب؛ فالعرب لديهم اثنتان وعشرون دولة وفكرهم القومي يسعى لتوحيدها، وهو يقابل الفكر الوطني (العربي أيضاً) داخل دولته العربية الأصغر. أما الفكر القومي الكوردي فمشروعه هو إقامة دولته التي حُرِم منها عندما نشأت الدول العربية عقب اتفاقية سايكس بيكو. وليس هناك منافسة أو صراع عند الكورد بين فكر قومي كوردستاني أكبر وبين فكر وطني قائم على دولة كوردية موجودة على مساحة جغرافية أصغر لعدم وجود هذه الدولة أصلاً. فالمقارنة هنا غير واردة البتة. وإذا كان توحيد اثنتين وعشرين دولة مسعى افتراضياً لأسباب عدة فإن إقامة دولة كوردية لم تكن وليست وهماً حتى لو كان في طريقها صعاب كثيرة. 
2 – إذا كانت إقامة الدولة القومية وهماً وافتراضاً فما سبب استشهاد عشرات الآلاف من العرب قبل قرن من الزمن للتخلص من الدولة العثمانية؟؟ هل كانوا يسعون لإقامة دولة إسلامية أو ماركسية؟! أم إنهم كانوا يسعون لبناء دولة قومية عربية، بغض النظر عن حدود جغرافيتها؟. هل كان اسمها الثورة العربية الكبرى؟ أم الثورة الإسلامية أو الماركسية أو السعودية أو الشامية أو المصرية … إلخ ؟!. إذن كانت ثورة قومية. أليس هذا ما يفعله الكورد منذ ذلك الوقت، مع فارق في مصالح الدول وموقفها من المشروعين ؟؟.  أليست تلك النضالات كانت أحد أسباب نشوء الدول العربية (القومية) فيما بعد ؟؟ فأين الوهم والافتراض في ذلك ؟؟. 
3 – بغض النظر عن إمكانية تحقيق الوطن العربي الكبير أو كوردستان الكبرى، فإن هذه القوميات لها الحق في أن تكون لها دولها التي تعبر عن هويتها الخاصة سواء أكانت في دولة واحدة أم في مجموعة دول. 
4 – لو كانت الدول القائمة كوردية ولو كان العرب بلا دولة هل كنت ستطرح الموضوع بهذه الطريقة ؟؟. هل كنت ستدعو قومك إلى الاندماج مع الكورد وهل كنت ستصف مشروعهم القومي العربي بالافتراضي والوهمي ؟؟!!.  وبالمناسبة الدول العربية القائمة هي دول قومية، بمعنى تأسيسها على ثقافة عربية ولغة عربية وتراث عربي وحاكم عربي، إذ لا مكان لأي مختلف فيها، فهي ذات لون وحيد هو اللون العربي. الافتراض الذي تتحدث عنه هو في الفكر الذي يدعو إلى توحيد هذه الدول القومية الموجودة فعلاً. 
5 – الدولة الوطنية السورية التي تراها نقيضاً للدولة القومية العربية والدولة القومية الكوردية وتراها حلاً لأوهام الافتراضيين من الطرفين، هي عربية أيضاً، يعني قومية مصغرة، فإذا أطاعك الكوردي وتنازل عن وهمه القومي وأراد العيش في الدولة الوطنية السورية الواقعية، فما الذي سيتنازل عنه العربي لكي يجتمعا في نقطة الدولة الوطنية الحقيقية وبعيداً عن القومية الافتراضية ؟؟؟. أنت تريد يا سيد نهار أن يتنازل الكوردي عن قوميته الافتراضية، ليعيش مع العربي في دولته القومية الحقيقية، وهذا هو الحل الواقعي عندك. 
6 – إذا كانت الدولة الوطنية المنشودة قائمة على الشراكة والمساواة في كل شيء فأهلاً بها، أما بالمفهوم الذي تطرحه أنت وغيرك فإنها لن تختلف عما كانت عليه خلال ستة العقود الماضية، وذاك هو الوهم والعالم الافتراضي الذي تعيشون فيه لعدم قدرتكم على تقبل الآخر، الشريك والمساوي لكم في الحقوق والواجبات، ولأنكم غير قادرين على قراءة الوقائع والمتغيرات بالشكل الصحيح لأنكم نتاج ثقافة الفكر الواحد، ولن يتوقع عاقل أن معارضة افتراضية سوف تغير ذلك الفكر بين نظام وضحاه. 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حازم نهار: 
العرب والكرد مخترعو العالم الافتراضي: 
القومية صفة مرتبطة بوجود الدولة، ومن لا دولة له لا يستطيع ادعاء الانتماء إلى حالة قومية. 
اخترع بعض العرب واقعاً افتراضياً اسمه “الدولة القومية العربية” بالاستناد إلى الأيديولوجيات القومية العربية العديدة (البعث، الناصرية، القوميون العرب… إلخ)، وعاشوا طوال قرن بهدى هذا العالم الافتراضي حتى اعتقدوا أنه واقع حي وموجود، فيما هو مجرد افتراض. 
بعض الكرد يشبهون بعض العرب في إدمانهم العيش في العالم الافتراضي، يتحدثون ويخططون وكأن عالمَهم الافتراضي واقعٌ حي وملموس. 
العرب والكرد اليوم ليسوا قوميات بل أعراق؛ القوميات تحتاج إلى عنصرين مهمين هما وجود الدولة والثقافة(لا الأيديولوجية(، وكلاهما غائبان؛ العروبة حالة ثقافية وحضارية تاريخية مختلفة عن الأيديولوجيات القومية العربية، والخلط بينهما أو المعادلة بينهما مؤشر على قصر النظر وانغلاق التفكير، والأمر ذاته ينطبق عند التفريق بين الحالة الثقافية والحضارية الكردية والأيديولوجيات القومية الكردية. 
العرب والكرد في سورية سيجربون جميع الطرق المسدودة بحكم انشغالهم في العالم الافتراضي والحلم والهدف بدلاً من الواقع، وسيصلون في لحظة ما إلى حقيقة أولوية الدولة الوطنية السورية المبنية على قيم إنسانية عليا أولاً وبشكل أساسي؛ فهذه الدولة هي وحدها الحقيقة الواقعية الممكنة، لكن للأسف لن يصلوا إليها إلا بعد أن يجرب الحمقى كل ما في حوزتهم من أوهام وأيديولوجيات وعنتريات وتخريب.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

دمشق – ولاتي مه – استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع، اليوم الثلاثاء، وفدا من المجلس الوطني الكردي في العاصمة دمشق، برئاسة محمد اسماعيل، حيث جرى بحث عدد من القضايا السياسية والوطنية، وسبل تعزيز الحوار بين مختلف المكونات السورية. وخلال اللقاء، أكد الرئيس أحمد الشرع التزام الدولة بضمان حقوق المواطنين الأكراد ضمن الإطار الدستوري. بدوره، ثمن الوفد المرسوم الرئاسي رقم /13/…

ادريس عمر لنعود قليلاً الى الوراء ولنتذكر سياسة حفر الخنادق التي انتهجها حزب العمال الكردستاني في مناطق كرد تركيا التي أدت إلى نتائج كارثية، كان ضحيتها آلاف الشباب الأكراد، فضلاً عن الدمار الواسع الذي لحق بالمدن والبنية المجتمعية هناك. وقد أقرّ القيادي في العمال الكردستاني مراد قره يلان لاحقاً بفشل هذه التجربة واعتبرها خطأً استراتيجياً. غير…

نورالدين عمر ​تقف جميع القوى السياسية الكردية، في مختلف أجزاء كردستان، صفاً واحداً إلى جانب “روجافا” في هذه المرحلة المصيرية؛ إدراكاً منها لحجم التحديات والمخاطر التي تستهدف الوجود الكردي برمته. ولم يصدر عن أي قيادة سياسية كردية مسؤولة، في أي جزء من كردستان، اتهام أو تشكيك بقيادات قوات سوريا الديمقراطية أو بالإدارة الذاتية، بل على العكس تماماً، هناك إجماع…

سوسن ديكو ما جرى في تجربة الإدارة الذاتية لا يمكن توصيفه بوصفه فشلًا مجتمعيًا، بل إخفاقًا سياسيًا وإداريًا تتحمّل مسؤوليته القيادات التي صاغت السياسات واتخذت القرارات، لا القوى العسكرية ولا الموظفون ولا الفئات التنفيذية ذات الصلاحيات المحدودة. ففي كل تجارب الحكم، تُقاس المسؤولية بموقع القرار لا بموقع التنفيذ، وأي محاولة لنقل تبعات الفشل إلى الحرس أو الجنود أو العاملين في…