الثورة التي ستغير الخرائط الجغرافية

أحمد حسن

جاءت ثورات الربيع العربي كردة فعل طبيعية
على حالة الاحتقان التي تعانيه شعوب هذه الدول منذ عقود من الزمن نتيجة تحكم
الأحزاب ذات العقلية الأحادية الجانب على زمام الحكم حيث الديكتاتورية وعدم وجود
حرية للأحزاب ومنظمات المجتمع المدني وعدم وجود حرية الانتخابات والبطالة وعدم وجود
العدالة الاجتماعية وتفاقم الفساد…. الخ كل ذلك إضافة الى عوامل إقليمية ودولية
أدت الى انطلاقة ثورات الربيع العربي التي كانت شرارتها الأولى الثورة التونسية في
18 ديسيمبر2010 حيث خرج الآلاف في مظاهرات تضامنا مع الشاب محمد البوعزيزي الذي
أضرم النار في جسده كتعبير لرفضه مرارة الواقع المعاش وأدت هذه الثورة الى الإطاحة
بالرئيس زين العابدين بن علي مما أدى الى فتح قريحة شعوب المنطقة للقيام بثورات ضد
أنظمتها الديكتاتورية فكانت الثورات المصرية والليبية واليمنية والسورية.  
والآن تدخل الثورة السورية (ثورة الحرية والكرامة) التي انطلقت في 15/3/2011 عامها
السادس حيث مئات الآلاف من الشهداء ومثلهم من الجرحى وملايين من المهجرين وعشرات
الألاف من المعتقلين ودمار الكثير من المدن والبلدات والقرى والبنى التحتية من
معامل وشركات ومستشفيات ومدارس ……. الخ وبفعل تفاعلات وتداخلات إقليمية ودولية
وصلت الى مآلات ومناخات لاتعبر عن تطلعات ورغبات الشعب السوري ورغم ذلك فالشعب
السوري لا زال مصرا ومصمما على اسقاط النظام الديكتاتوري الدموي. لكننا مع ادراكنا
أهمية سوريا الاستراتيجية حيث اطلالها على البحر الأبيض المتوسط وتماسها مع إسرائيل
ولبنان وتركيا والأردن والعراق وأنها جزء من رأس الجسر الذي يربط بين أوروبا وآسيا
وافريقيا حيث يلتقي الشرق والغرب على حد قول تقرير لجنة ((كنغ – كرين)) الأمريكية
الصادر في عام 1919 مما يجعل موقعها ذو أهمية استراتيجية وسياسية وتجارية واقتصادية
كما أن لها أهمية من زاوية الحضارة العالمية وبفعل هذه الأهمية الاستراتيجية فعلت
الثورة السورية مالم تفعله الثورات التونسية والمصرية والليبية واليمنية وكانت
سوريا منذ القدم وحتى الآن مفتاح التغيرات والتطورات في المنطقة والعالم فتاريخيا
عندما كانت تسقط سوريا كانت المنطقة برمتها تسقط بعدها بفترات قصيرة مثلما حصل مع
الاسكندر المقدوني والمسلمين فعند سقوط سوريا بيد الرومان تلتها سقوط مصر كذلك ما
حدث مع السلطان سليم الأول بعد معركة مرج دابق 1516 قرب حلب سقطت مصر والحجاز في
العام التالي وسقطت بعدها العراق في 1534 ولازالت تركيا تفكر بجعل دمشق ((شام
شريف)) مفتاحا للمنطقة كما فعلت في مرج دابق لتكون إسطنبول زعامة العالم الإسلامي
السني وهذا ما يقلق السعودية وغيرها وتربك ايران . فالثورة السورية مع دخولها العام
السادس أفرزت وستفرز وقائع وخرائط جيو- سياسية جديدة في المنطقة والعالم
ومنها:
1)    الثورة السورية قسمت العالم الى فريقين وظهر ما يشبه الثنائية
القطبية المتمثل بالولايات المتحدة الامريكية وحلفائه وروسيا والصين وإيران
وحلفائهم وظهرت أولى نتائج ذلك في الفيتو الروسي الصيني في مجلس الأمن في نيويورك
(4 تشرين الأول 2011) ثم تلتها فيتو (2 – 3 ….) وما يحدث على الأرض السورية خير
دليل على ذلك.
2)    الثورة السورية ستكون مفتاحا لتغييرات وتطورات عميقة لدول
المنطقة حيث سيحدث عمليات فك وتركيب لنتائج اتفاقية سايكس – بيكو بانتهاء مئويتها
في 2016 ويتم إعادة ترتيبها وفق المنظور الأمريكي – الروسي ومن لف لفهما.
3)   
الثورة السورية أظهرت نفسها كمنعطف تاريخي مهم بمثابة حرب كونية ثالثة لا يقل أهمية
وتأثيرا عن الحربين الكونيتين (1 – 2) بحيث أشعرت وأشغلت العالم كلها بمعانات الشعب
السوري وهذا ما سيكون له تبعات إقليمية ودولية .
ومها يكن فالثورة بمفهومها
وبعدها الفلسفي تعني التطوير واستبدال القديم بالحديث المتطور وبالتالي فهذه الثورة
لن تعود بنا الى سوريا ما كانت عليه قبل (15/3/2011) حيث عهود الديكتاتورية والظلم
والاضطهاد بل أنتجت شعبا ذاق طعم الحرية وأعيدت له كرامته المسلوبة رغم كل المعاناة
والآلام التي يعيشها ورغم كل التشوهات التي أصابت ثورته… فسوريا حرة ديمقراطية
تعددية ذات نظام فيدرالي (اتحادي) تنتظرنا كحل أمثل للبلدان المتعددة القوميات
والأعراق والمذهب
.

Ahmed.hesen.714@gmail.com

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

قامشلو – ولاتي مه : 6 نيسان 2026 برزت إلى العلن مؤشرات على وجود خلافات داخل قيادة حزب يكيتي الكردستاني – سوريا، عقب صدور بيانين متتاليين ومنسوبين إلى اللجنة المركزية للحزب، تضمّنا مواقف متباينة بشأن الأوضاع التنظيمية، ما أثار تساؤلات حول احتمال حدوث انقسام داخلي في الحزب. ففي 5 نيسان، أصدرت اللجنة المركزية بياناً عقب اجتماعها الاعتيادي، تناول جملة من…

شادي حاجي أزمة السياسة الكردية لم تعد عرضاً جانبياً ، بل صيرورة بنيوية . لم يعد السؤال مجرد اعتراف بالقضية ، بل قدرة من يدّعون تمثيل الشعب الكردي على الارتقاء بها . الواقع واضح : أحزاب متنافرة، برامج غامضة، وصراعات شخصية تحلّ محل المشروع القومي والوطني العام . الفرصة التاريخية التي جاءت مع الحرب السورية ذهبت أدراج الرياح بسبب…

خالد حسو وأنا أترقّب هذه العودة، يملأني أملٌ صامت بأن يأتي يومٌ أعود فيه أنا أيضًا، بعد فراقٍ طال حتى أثقلته السنوات، وامتدّ لأكثر من أربعة عقود من الزمن. أربعون عامًا وما يزيد، لم تكن مجرد غيابٍ عابر، بل مسافةً كاملة بين الإنسان وذاكرته، بين الروح ومكانها الأول، وبين القلب وما ظلّ ينتمي إليه رغم كل شيء. كان هذا البعد…

سمكو عمر لعلي يقولون إنّ بعض الظنّ إثم، غير أنّ ما نشهده اليوم يدفع المرء إلى التأمّل العميق، بل وإلى طرح الأسئلة التي طالما حاولنا تجاهلها أو تأجيلها. لقد قلناها مراراً وتكراراً: إنّ الانشقاقات التي عصفت بصفوف الأحزاب الكوردية لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل كانت – في كثير من مراحلها – صنيعة أنظمةٍ معادية، وفي مقدّمتها نظام حزب البعث…