الحسكة مسرحيات في لباس مقاومة

مروان سليمان
 نعيش في مجتمع غير متجانس و غير متماسك، مجتمع يعاني من القصور الفهمي لكي يدرك واجباته و حقوقه و لذلك فإن المشاعر هي التي تحركه و علاقاته مع بعضه تتصف بالصراعات و الخلافات و عدم الإتفاق فيما بين تلك المكونات من جهة و ما بين المكون الواحد من جهة أخرى  أدى إلى عدم الاستقرار الإجتماعي و السياسي حيث التشتت و السباق على المكاسب الشخصية و الحزبية الآنية كما يحصل هنا و هناك من أعمال السلب و النهب و إنتشار الجريمة و القتل على الهوية و كذلك إنتشار الجماعات الفاسدة و السلوكيات المتناقضة بشكل واسع في مجتمعاتنا.
أيام استثنائية في تاريخ مدينة الحسكة، ضاقت الشوارع بالناس الذين خرجوا من بيوتهم هرباً من المسرحيات التي تقام بين الفينة و الأخرى بين قوى لا تعرف إلا مصالحها الآنية و قوى النظام التي تربي الإرهاب و تدعمه و في نفس الوقت تدعي أنها تحاربه و من أجل ذلك خرج الطوفان البشري ليس في مسيرة ضد الظلم أو رفضاً لحكم الفرد و عبادته و إنما لكي ينفذوا بجلودهم و أولادهم من نيران الذين يدعون التحرير و يصفون أنفسهم بالديمقراطيين و مخلصي الشعب، نعم أنها منتهى التناقض و الإزدواجية لا بل قمة الإنفصام العقلي و النفسي أن نكون خارج الواقع فكرياً و نعيشه على أرض الواقع عملياً و لكن بدون أن نتعظ مما حصل و يحصل، نستطيع أن نصدق كل شئ إلا محاربة الإرهاب، لأن الإرهاب لا يحارب نفسه أو صانعيه.
يبدو أن الشعب السوري بمجمله أصبح مثل قطيع من الحمل يسير إلى جانب قطيع من الذئاب المتوحشة و التي تهاجمه بين الحين و الآخر عندما يقتنص الفرصة المجانية له أينما كان، نعم إنها الفرصة المجانية التي توفرها أصحاب الضمائر الميتة التي تريد القضاء على الشعب و الحفاظ على أتباع الأنظمة و ملحقاتهم فقط و لذلك فإن خطط التهجير تسير جنباً إلى جنب خطط توطين الآخرين بالإضافة إلى الضغوطات المعيشية و الحركة و الإعتقالات العشوائية و المناوشات المفتعلة هنا و هناك..
فكما خرج الإرهاب علينا بلباس ديني و حسب أهواء المجموعات الإرهابية و التي تعمل ضد الإنسانية جمعاء و التناقض ما بين خطابهم وأعمالهم، كذلك قد يخرج علينا نفس الإرهاب و أن كانت بوطأة أخف و لكن بلباس قومي و طائفي و مذهبي و تحت مسميات حقوق الشعب و الحرية و المساواة و العدالة و التحرير يكون الهدف منها استقطاب أكبر قدر ممكن من الناس الذين يمكن خداعهم ليكونوا وقوداً في حروبهم مع الآخرين خدمة لمصالح الأنظمة و الحكومات و إرضائها في سبيل كسب بعض المكاسب الشخصية و الذاتية و إن كان على حساب دماء الأطفال و الثكالى و الأيتام.
يجب علينا أن لا ندع الإرهاب لكي يأخذنا إلى مواقع غير مواقعنا أو معارك ليست معاركنا و بعيدة كل البعد عن المصالح القومية لكي تخدم أجندة أنظمة ديكتاتورية أو شوفينية أو عنصرية أو حتى جماعات إرهابية مدعومة من الخارج هدفها طمس معالم الشعوب و جرهم نحو الطريق الخاطئ تلبية لمصالح الآخرين الذين يقتاتون من موائد الأنظمة و بلاطهم، و نحن الكرد ليس لنا فيها ناقة أو جمل، فهل كتب علينا أن نضحي بأنفسنا و أولادنا لكي نحمي أعدائنا؟، أم أن السياسات الغير الواقعية التي تمارسها بعض الأطراف قد فرضت على الشعب الكردي (الغائب) بدون أن يكون مشاركاً في القرار؟
إذاً منطق الحرب هو السائد و من المفروض أن نحافظ على نواة منطقتنا من الدمار و الخراب لا أن نجلبه لأنفسنا و نختار الولاء لأنفسنا كشعب بدلاً من التبعية للآخرين و نحتفظ بسمات مشتركة و التجمع بالإستناد على سياسة أمننا القومي و هذا يعني بأن الجزء بحاجة إلى الكل أي أن كل الجهات و الأحزاب بحاجة إلى الشعب(الغائب) الذي هو من المفروض المرجع الأساسي في عملية التغييرو لذلك يجب عدم مصادرة الرأي و الفكر الحر و أهمية الحوار(ليس حوار الطرشان أو التعالي) مع بعضنا للحفاظ على شعبنا و أرضنا لكي نكسب ثقة العالم في الدخول في لعبة التحالفات الدولية سواء السياسية أو العسكرية منها، كما يتطلب الوضع أن تكون استراتيجيتنا واضحة المعالم نحدد فيها الحقوق الثابتة و العادلة للشعب الكردي أولاً بهدف بناء وطن يتسع للجميع و يحترم القانون ثانيا، لا كما نرى على أرض الواقع يتحدثون عن الوطنية بكثرة و لكنهم لا يلتزمون بها قيد أنملة في سلوكياتهم اليومية و نجدهم في أكثر المواقع التناقضية يعتاشون على التناقضات و يهتمون بالمظاهر و لا يبالون بالمضامين.
السلك التربوي- المانيا
05.02.2022

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…