معضلة الدوران في الفراغ.. قضية للنقاش ( 259 )

صلاح بدرالدين
هناك خطأ – منهجي – شائع تقترفها الغالبية الساحقة من الذين يتصدرون الكتابة على شكل  المساهمات في صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، او المحاضرات في الندوات، او عبر اللقاءات التلفزيونية حول الشأن السياسي للكرد السوريين، تحت عناوين الارتقاء في العمل النضالي، او توحيد الصفوف، او توحيد كلمة الكرد السوريين .
  واذا امعنا النظر ولو ليوم واحد في ماينشر، ويبث في هذا المجال نجد بكل اسف صحة استنتاجنا أعلاه، فمعظم – اذا لم يكن كل – ماتقع عليه اعيننا – من اعلام حزبي او الدائرين في فلك أحزاب طرفي الاستقطاب – لايخرج من اطار توصيف ماهو قائم في الساحة الكردية السورية، ويجري التعامل مع هو سائد وليس ماهو مطلوب، ثم توضع المبادرات القومية ؟! ، والمقترحات الوحدوية ؟! على قاعدة قبول الامر الواقع، والتوفيق بين محركاته ( أحزابا، وجماعات، واشخاصا ) والتصالح بين مصالح الجهات المسيطرة، من دون معرفة ماسينتج عن كل ذلك – هذا اذا نتج أي شيء بالأساس – .
  هؤلاء يلوون عنق الحقيقة أولا بتجاهل  محنة الكرد السوريين، ونفي الازمة المستعصية المتفاقمة في جسد الحركة السياسية من تفكك، وانقسام، وتجزئة المجزأ ثانيا، والتهرب من واجبات تقديم العلاج اللازم لمعالجة الازمة ثالثا، والالتحاق بمعرفة او جهل بنهج إدارة الازمة وليس حلها رابعا، والعمل على صب جهود إضافية في مجرى التكتيك المتبع لدى مصادر الازمة أي أحزاب طرفي الاستقطاب  خامسا، والقفز فوق حقيقة ان الحل ينبع من إرادة الكرد السوريين، عندما يتم تصويب الأنظار نحو الخارج – المنقذ – ذلك الخارج سيان اكان نظام الأسد او غيره سادسا .
   وقبل الاسترسال بالموضوع أرى لزاما علي توضيح امر – من المسلمات –  ليس بخاف على احد وبغاية الأهمية وهو ان سوريا كلها تعيش وضعا استثنائيا انتقاليا، والقضية السورية مازالت في – غرفة العناية الفائقة – متروكة لقرار الاخرين، وحلها قد تطول وتحتاج الى مراجعة، ووضع أسس جديدة لهيكلة الانتفاضة السلمية عبر قيام مجلس وطني سوري ديموقراطي شامل، تشكل الحركة السياسية الكردية المعاد بناؤها – كما نامل – جزء فاعلا فيه .
  اما الكرد السورييون فانهم يمرون بمرحلة مصيرية فائقة الدقة، والمخاطر وجودية وليست حوادث عابرة، لايقتصر منبعها على نظام الاستبداد فحسب بل لعوامل محلية أخرى وفي المقدمة التيارات الحزبية المنحرفة عن خط – الكردايتي – التي تلقى الدعم من المحورين الكردستانيين، او المنتقمة منها، او القلقة، او العصبوية المناطقية، وهي جميعها تقف في خندق واحد – شاءت ام ابت – وتستهدف الكرد السوريين باشكال وجودية، وفكرية، وسياسية : كشعب من السكان الأصليين في البلاد، وتاريخ كفاحي، وتقاليد نضالية مستمرة لعقود، واستحقاقات لايمكن تجزءتها، تتداخل مع مبادئ حق تقرير مصير الشعوب، وشرعة حقوق الانسان، وميثاق الأمم المتحدة، وتقف بالضد من محاولات إعادة بناء الحركة على أسس جديدة وسليمة، وتهدف النيل سرا وعلانية من مشروع حراك ” بزاف ” لاعادة البناء ذلك المشروع التاريخي العلمي الواقعي الوحيد حتى الان في ساحتنا الكردية السورية، والذي يستحق الدعم والاسناد .
  اما  الجوهري في الازمة فيكمن في الواقع الهش لدفاعاتهم على ارض الواقع، وبمعنى أوضح التفكك، والانقسام الحاصلان للاداة النضالية الرئيسية، والوحيدة للحركة السياسية الكردية السورية، عندما نقول الأداة  الرئيسية الوحيدة نعني بذلك ان النضال القومي والوطني للكرد السوريين انطلق من قاعدة العمل السياسي السلمي المستند الى التعبئة، والحوار، والفكر، والثقافة، خلال نحو تسعة عقود، ففي كل تاريخ مناضلينا لم يحاكم أحدا بتهمة حمل السلاح، وممارسة العنف، واقتراف الجرائم الإرهابية ، بل كانت التهم من محكمة امن الدولة العليا، والمحاكم العسكرية والمدنية لم تكن تتجاوز ( المساس بامن الدولة، والانتماء الى الجمعيات السرية، واقتطاع جزء من ارض الوطن، وبث التفرقة العنصرية ) .
  فالاستراتيجية التي استندت اليها الحركة الكردية السورية منذ انبثاقها، وبخلاف – استراتيجيات – الاشقاء في أجزاء كردستان الأخرى بتركيا، والعراق، وايران، كانت النضال السلمي، وعدم الفصل بين الجانبين القومي والوطني، وعدم التمايز مع السمة العامة للكفاح الوطني الديموقراطي في سوريا، الذي سار أيضا على نهج الصراع السلمي، باستثناء سنوات الثورة السورية حيث انطلقت سلمية، ثم دفاعية بالأساس قبل تحريفه نحو العسكرة .
  لذلك نرد على مزاعم أصحاب القرار لدى جماعات – ب ك ك – السورية – بتقديس – عمليات العسكرة، وتجنيد القاصرات، وشعارهم المبتذل : كل شيء من اجل القتال بما في ذلك الحريات العامة، في مناطق نفوذهم، انكم لم تقاتلوا، ولم تقدموا التضحيات من اجل حل القضية الكردية في سوريا التي لاتعترفون بوجودها أصلا، ولم تواجهوا نظام الاستبداد بالسلاح في سبيل الحقوق القومية، بل صوبتم السلاح لاعداء النظام منذ عام ٢٠١١ عندما وفدتم وانتقلتم من – قنديل – الى سوريا بحسب اتفاقيات مبرمة مع النظام وكل ذلك موثق، كما انكم تقدمون كل شيء بما في ذلك دماء عشرات الالاف من الشهداء ومئات ملايين الدولارات من اجل الحزب، والنفوذ فقط لاغير .
     والقضية قد تحتاج الى نقاش

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالباقي اليوسف تقتضي لحظات التحول التاريخية في الشرق الأوسط نظرة واقعية تفكك المشهد بعيداً عن الشعارات المستهلكة؛ وما يشهده الإقليم اليوم من تسارع محتدم للأحداث—من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران إلى إعادة رسم خرائط النفوذ—ليس مجرد تفاصيل منفصلة، بل تجلٍّ لإعادة ترتيب واسعة لموازين القوى. وفي قلب هذه العاصفة، يأتي الموقف التركي الراهن تجاه القضية الكوردية ليرسم علامات استفهام كبرى؛ موقفٌ…

عبد الجابر حبيب لا أدري لماذا تسلل إلى ذهني مسلسل “صح النوم”، وبالتحديد ذلك المشهد الذي يحاول فيه حسني البرظان كتابة مقالته الشهيرة. يبدأ بثقة: “إذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في إيطاليا، فعلينا أن نعرف ماذا يجري في البرازيل.” ثم يتكفل غوار بإفساد كل شيء، فلا يكتمل المقال؛ لأن الواقع المؤلم الذي يعيشه كاتب المقال كان أثقل من أن…

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثانية: ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان… من الفكرة إلى المبادرة إذا كان تكرار الاعتداءات على إقليم كوردستان قد أصبح تهديدًا للاستقرار، وإذا كانت بيانات الإدانة لم تعد كافية لردعها، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو: ما البديل؟ البديل، برأيي، هو فتح نقاش دولي جاد حول إنشاء ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان، أو إطلاق مبادرة أممية…

شادي حاجي في مرحلة تتغير فيها خرائط النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط، وتتداخل المصالح الدولية والإقليمية بصورة متسارعة، تقف القضية الكردية أمام سؤال مختلف: هل ينبغي للكرد البحث عن حلول عاجلة، أم أن المرحلة تقتضي بناء استراتيجية طويلة الأمد تجعلهم أكثر استعداداً للمتغيرات المقبلة؟ ربما يكون الخيار الثاني هو الأكثر واقعية. فـالصبر الاستراتيجي لا يعني الاستسلام للواقع أو التخلي عن…