سيعدم علي حسن المجيد…. ولكن لقضية الانفال بقية!

فوزي الاتروشي
 
   أخيراً تنفَّس الشعب الكوردي الصعداء ليس لاعدام علي حسن المجيد فحسب، بل -وهذا هو الاهم-لاعلان المحكمة الجنائية العليا العراقية، ان جريمة الانفال هي إبادة جماعية (جينوسايد) وفعل جرمي ضد الانسانية وفق معايير القانون الدولي المعاصر.

ان هذا التوصيف المنصف وفَّر على السياسيين و المثقفين الاكراد الكثير من الجهد و العناء و أثبت ان بصيصاً من الأمل مازال معلقاً على بعض النخب العربية في تعبيد جسور التواصل ومنع الطلاق الكلي بين العرب و الاكراد في العراق.

وان كنا نستثني مجاميع حزب البعث العراقي المنحل الذي مازال يعزف على وتر ان صدام حسين سيد شهداء العصر، لانَّ هذا الحزب عوَّدنا على عدم قراءة و مراجعة ماضيه للاعتذار عن الأخطاء و الخطايا و تقويم المسيرة فهو قائم على أفكار احادية الجانب و شمولية وانقلابية فاقدة الصلة بروح العصر.

واذا كانت تدمير مدينة (حلبجة) الكوردية بالسلاح الكيمياوي عام 1988 هي التي قصمت ظهر البعير وجعلت المجتمع الدولي على صعيد الدول و البرلمانات و الاحزاب و المنظمات الحقوقية و الافراد العاديين، يعلنون اكبر حملة تضامن عالمية مع الشعب الكوردي، فان علة ذلك كان توفر لقطات حية مصورة و أدلة مادية تصور الجريمة حين وقوعها، والتي وظفتها الجالية الكوردية الكبيرة في اوروبا بنجاح فائق.

ولكن تبقى جريمة الانفال التي ارتكبت عامي 1987-1988 ذات مميزات خاصة لانها الجريمة الممتدة على كل رقعة من كوردستان العراق التي اغلقت عليها المنافذ حينها و عزلت عن العالم و كانت حصادها (182) الف انسان بريء وتدمير (4500) قرية الى حدٍ اصبحت كوردستان العراق رقعة اشباح و عنوان جهنم الارض، وقد نجح النظام في جعلها بالمفهوم الجنائي جريمة كاملة من خلال فرض تعتيم كلي عليها و القضاء على كل الأدلة الثبوتية المادية، لذلك ظلت بعيدة عن أضواء الاعلام العالمي وظلت الشكوة الكوردية في هذا الصدد خافتة النبرة، رغم ان فظاعتها و قساوتها ونتائجها الكارثية على الانسان و العمران و البيئة وعلى المشهد النفسي و المعنوي للانسان الكوردستاني اكبر من فاجعة (حلبجة).
  وكانت انتفاضة ربيع عام 1991 ايذاناً بالكشف عن خفايا و تفاصيل هذه الجريمة المرعبة، فقد تمكنت “منظمة مراقبة حقوق الانسان في الشرق الاوسط” الامريكية على دراسة و تحليل (17) طناً من الوثائق المستولى عليها من قبل المنتفضين الاكراد، وعلى مدى عامين من التنقيب و الدراسة توصلت الى اصدار اول كتاب وثائقي شامل و مفصل حول جرائم الانفال باللغة الانكليزية عام 1995 ، وفي الكتاب يعثر المرء على مخزون معلوماتي هائل عن واحدة من أبشع جرائم العصر.


   بالتأكيد ان علي حسن المجيد و العاملين معه في الجهاز الأمني و العسكري و الاستخباراتي هم المجرمون الاصليون وهم الذين اختاروا عمداً سورة “الانفال” عنواناً لهذه الجريمة امعاناً في الاستهانة بمشاعر الناس و لاستغلال الدين في خطاب اعلاني حافل بالشوفينية و العنصرية للتعمية على الحقائق و مصادرة اي شعور بالذنب لدى القائمين و المنفذين و المخططين و المشاركين في تنفيذ هذا المسلسل الاجرامي.

و حين نقول الشراكة في التنفيذ فاننا نعني حشداً كبيراً من الاكراد المتعاونين مع النظام آنذاك والذين كان لهم ضلع اساس في اكمال الجريمة، فالمعلوم ان النظام السابق شكل آنذاك قوات باسم “أفواج الدفاع الوطني الكوردية” التي وصل عديدها الى (250) الفاً تقودهم حفنة من رؤساء المرتزقة الاكراد الذين دأبوا منذ عام 1961 ابان انطلاقة الثورة التحررية الكوردية ولغاية عام 1991 على بيع خدماتهم لكل الانظمة العربية المتعاقبة و الوقوف ضد الثورة الكوردية.

واذا كان مفهوماً ان تصدر الاحزاب الكوردية العفو عن البسطاء المغرَّر بهم من الشباب او الذين انضووا تحت لواء هذه القطعات عنوة و بدافع الخوف و هم عشرات الآلاف، فان العفو يجب ان يستثني رؤساء العشائر و مسؤولي الافواج الذي كان لهم باع طويل في تنفيذ الجريمة وقد لفظهم الشعب الكوردي و اعتبرهم منذ البدء شركاء النظام,  بل ان ذنبهم متميز.

واذ يطالب المدعي العام في المحكمة الجنائية العراقية بجرِّ هؤلاء الى المحكمة فان العفو السابق عنهم لاينبغي ان يكون سائراً لهم او مانعاً من احقاق الحق فالشريك كالاصيل و كلاهما صنوان لاينفصمان في الجرائم الجنائية.


   ان صدور حكم الاعدام بحق علي حسن المجيد يجب ان يكون بداية البداية وليس اسدالاً للستائر على المتهمين الآخرين و بالأخص رؤساء العشائر و أمراء الحرب الاكراد الذين لم تكن جريمة الانفال لتكتمل بدون مشاركتهم الفعالة، وهم تطبَّعوا على الشعور بالأمان منذ 1991 و لغاية الآن، بل وان بعضهم ازداد ثراءاً و امتيازات و استطاع بمنطق وصولي انتهازي ان يتولى مواقع معينة، رغم ان الذاكرة الجمعية الكوردية و أرشيف الثورة الكوردية سيظل يشير بأصابع الاحتجاج الى أسمائهم و ممارساتهم الرخيصة المستوى و الدنيئة الاغراض و البالغة أقصى درجات الرذيلة.

 لذلك ندعو الى الامتناع عن منحهم اية حصانة و تركهم لساحات القضاء كي يصدر حكمه عليهم وهو حكم سيكون تاريخياً بكل معنى الكلمة.
   في عام (2005) أصدر الكاتب الكوردي (شورش حاجي رسول) كتاب (الانفال-الاكراد ودولة العراق) وفيه كشف الغطاء كلياً عن حجم ضلوع الخونة المرتزقة الاكراد في هذه الجريمة وسجل أسماء آمري الافواج الكوردية الذين أغرقهم النظام السابق بالاموال و الاسلحة و الامتيازات لكي يبيعوا شعبهم مقابل حفنة من المال الزائل، ويركز المؤلف -بحق- على ضرورة استثناء مسؤولي المرتزقة الاكراد من قرارات العفو قائلاً ((من الضروري ان يطلع هذا الجيل و الأجيال القادمة على أسماء الذين ارتكبوا الجرائم بحق الابرياء من ابناء شعبنا ولابد ان يفصل بين الصالح و الطالح لكي ينال الجميع جزاءهم، من يدافعون عن شعبهم خيراً، ومن يظلمونه شراً)).

نعتقد ان القيادة السياسية الكوردية ستقدم على خطوة في غاية الأهمية من خلال تجريد المشاركين الاكراد في جرائم الانفال من أية حصانة او حماية او تغطية، فهؤلاء جرى اعفاء بعضهم عام 1970 و عام 1991 وبعد التحرير في 2003 و مازالوا كما كانوا باعة وطن و قاتلو قضية عادلة.

لذلك فان علي حسن المجيد العربي يتساوى في القصد الجنائي و المسؤولية الجنائية مع آمر الفوج الكوردي الذي قتل و دمَّر و أحرق و اغتصب نساء بني جلدته الاكراد، و أي عفو عن المجرم الكوردي الشريك هو جرح في ضمير الثورة الكوردية لن يندمل ابداً.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

قامشلو – ولاتي مه : 6 نيسان 2026 برزت إلى العلن مؤشرات على وجود خلافات داخل قيادة حزب يكيتي الكردستاني – سوريا، عقب صدور بيانين متتاليين ومنسوبين إلى اللجنة المركزية للحزب، تضمّنا مواقف متباينة بشأن الأوضاع التنظيمية، ما أثار تساؤلات حول احتمال حدوث انقسام داخلي في الحزب. ففي 5 نيسان، أصدرت اللجنة المركزية بياناً عقب اجتماعها الاعتيادي، تناول جملة من…

شادي حاجي أزمة السياسة الكردية لم تعد عرضاً جانبياً ، بل صيرورة بنيوية . لم يعد السؤال مجرد اعتراف بالقضية ، بل قدرة من يدّعون تمثيل الشعب الكردي على الارتقاء بها . الواقع واضح : أحزاب متنافرة، برامج غامضة، وصراعات شخصية تحلّ محل المشروع القومي والوطني العام . الفرصة التاريخية التي جاءت مع الحرب السورية ذهبت أدراج الرياح بسبب…

خالد حسو وأنا أترقّب هذه العودة، يملأني أملٌ صامت بأن يأتي يومٌ أعود فيه أنا أيضًا، بعد فراقٍ طال حتى أثقلته السنوات، وامتدّ لأكثر من أربعة عقود من الزمن. أربعون عامًا وما يزيد، لم تكن مجرد غيابٍ عابر، بل مسافةً كاملة بين الإنسان وذاكرته، بين الروح ومكانها الأول، وبين القلب وما ظلّ ينتمي إليه رغم كل شيء. كان هذا البعد…

سمكو عمر لعلي يقولون إنّ بعض الظنّ إثم، غير أنّ ما نشهده اليوم يدفع المرء إلى التأمّل العميق، بل وإلى طرح الأسئلة التي طالما حاولنا تجاهلها أو تأجيلها. لقد قلناها مراراً وتكراراً: إنّ الانشقاقات التي عصفت بصفوف الأحزاب الكوردية لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل كانت – في كثير من مراحلها – صنيعة أنظمةٍ معادية، وفي مقدّمتها نظام حزب البعث…