صلاح بدرالدينغالبا ما يصطدم متابع سيرالنشاطات الاعلامية لمعظم منتسبي أطراف المعارضة الوطنية السورية من شركائنا العرب بمختلف أطيافهم بخطاب اشكالي لايخلو من مظاهرالديماغوجية المؤدلجة بعبارات جامدة ومتناقضة تخفي في ثناياها مزيدا من الشكوك والتساؤلات الاضافية التي تزيد الطين بلة في طريق علاقات أطياف العمل الوطني , هذا الخطاب الفكري – الثقافي الوهمي المبني على خلفية العجز في قراءة الحقائق الجديدة المحيطة اقليميا ودوليا وجهل أو تجاهل خارطة المجتمع السوري القومية والدينية والاجتماعية والذي اعتمد تحديدا في أعقاب سقوط الدكتاتورية في العراق على أيدي معتنقي التيارات الأصولية الاسلامية والقوموية بشكل خاص عندما يسترسلون في تكرار جوابهم الجاهز غير القابل للتبديل على السؤال الرائج : ” ألا تخشون من تحويل سورية الى عراق آخر ؟”
سوريا ليس فيها مجتمع أقليات كبرى كما في العراق الذي يتألف من ثلاث كتل كبرى (سنية وشيعية وأكراد).
في سوريا مجتمع أكثرية عربية ومسلمة “هنا نرى لزاما علينا ومن منطلق المسؤولية الوطنية وخدمة الحقيقة التصدي بكل شفافية وصدق ووضوح على ذلك التساؤل المطروح والذي لن يتم الا عبر استجواب وتفكيك النص الجوابي أعلاه واعادة صياغته من جديد في الشكل والمضمون من دون اختباء وراء العبارات التي تحمل كل التفسيرات ولاتحمل شيئا في الآن ذاته أو تهرب من مواجهة الوقائع كما هي وذلك حسب القراءة التالية:
أولا – من الشروط الأولية لجدية أية معارضة تهدف الى التغيير وعي ومعرفة مكونات مجتمعها من قومية ودينية ومذهبية بتفاصيلها الدقيقة بما هو مجال عملها الحيوي وساحة فعلها وتشخيص أوجه الاضطهاد القومي والظلم الاجتماعي وفرز الجهة الظالمة السائدة عن الجهات المظلومة وقراءة تاريخ ملامح وأوجه وخصوصيات الصراع الذي دار في البلاد منذ الاستقلال وحتى الآن ان كان مع الخارج أو في الاطار الوطني بين الأغلبية ذات اللون الواحد (القومية و المذهبية) الحاكمة من جهة في بعض المراحل وبين الأقلية المحكومة بألوانها المتعددة (قوميا ومذهبيا) من الجهة الأخرى , فليس اجحافا بحق الوطن اذا لم يكن وفاء القول بأن سورية بلد متعدد: 1 – القوميات بشعبين رئيسيين الغلبة العددية فيها للعرب يليه الكرد في المرتبة الثانية مع وجود عناصر أخرى من أرمن وآشور وكلدان وتركمان وشركس, 2 – الديانات من مسلمين ومسيحيين وأزيديين ويهود , 3 – المذاهب من سنة وعلويين وشيعة وأرثوذوكس وكاتوليك , كما لن تكتمل صورة الحقيقة الوطنية اذا لم نسلم بحصول تجاوزات ومظالم في العقود والمراحل السابقة والراهنة ذات الطابع القومي العنصري تجاه الكرد بدرجة رئيسية وحيال الأطياف القومية الأخرى في البلاد وذات لون ديني ومذهبي من الأعلبية تجاه الأطياف الأخرى وبشكل خاص تجاه العلويين حتى بداية ستينات القرن الماضي .
ثانيا – الاعتراف بالتنوع فضيلة ومواجهة الواقع كما هو شجاعة ومسؤولية وتجييره لمصلحة مشروع التغيير والوحدة الوطنية ابداع وانتصار على الدكتاتورية والاستبداد ومن واجب أطياف المعارضة أن تتبنى في برامجها وجود وحقوق كافة المكونات الوطنية السورية من غير الأغلبية العربية المسلمة مع الاعتراف بمعاناة معظمها في مراحل سابقة جراء الذهنية الشوفينية من بعض تيارات القومية السائدة والأصولية والظلامية والاقصائية, وضمان مستقبلها وارادتها الحرة الكريمة في دستور سورية الجديدة عند ذاك يمكنها الانتقال الى موقع يؤهلها تنظيميا واداريا برنامجا ومواقف سياسية أن تكون سورية المستقبل الديموقراطية الحضارية المصغرة بتعدديتها الغنية القومية والدينية والمذهبية وديموقراطيتها وأطيافها الزاهية الجميلة وتسامحها وتصالحها مع ذاتها والآخر .
ثالثا – بعكس ما يروج له البعض لغايات خبيثة نؤكد بأن هناك العديد من أوجه التشابه بين الحالتين السورية والعراقية من تسلط النظامين باسم حزب البعث واستغلالهما المسألة الطائفية وسيطرتهما على مؤسستي الجيش وقوى الأمن والحكم الدكتاتوري الشمولي والموقف الشوفيني العنصري تجاه القوميات الأخرى وخاصة الشعب الكردي المتجسد بالابادة الجماعية وتغيير التركيب الديموغرافي لمناطقه وحرمانه وتهجيره وتعريبه وكذلك تعددية الأقوام والثقافات والأديان والمذاهب كما ذكرنا في البلدين ونمو حركة معارضة في العراق السابق وسورية باتجاهاتها القومية والاسلامية السياسية والمذهبية والليبرالية والديموقراطية واليسارية , وهناك أيضا اختلاف في خصوصيات البلدين وفي سبل الخلاص , تم تحرير العراق من الدكتاتورية بواسطة العامل الخارجي العسكري أساسا وليس بالضرورة أن يحصل مثله في سورية وما بعد التحرير جرت مواجهات ومازالت ذات طابع ديني ومذهبي في العراق العربي بخلاف اقليم كردستان الفدرالي مثلا المتعدد القوميات والأديان والمذاهب (من كرد وتركمان وكلدان وآشور وأرمن وعرب مسلمين ومسيحيين وأزيديين وصابئة مندائيين سنة وشيعة أرثوذوكس وكاثوليك) الذي ينعم بالاستقرار والتعايش بين جميع مكوناته ضمن تجربة ديموقراطية واعدة وسياسة حكيمة بعيدة النظر وهنا يتأكد مرة أخرى أن العيب ليس في تعدد المكونات القومية والدينية والمذهبية المتآخية المتعايشة بل في السياسات المتبعة ديموقراطية أو شمولية منفتحة متسامحة أم تكفيرية اقصائية تقبل الآخر المختلف أم تنبذه.






