إسماعيل عمر: الوسيط بين «الشّعب» والسياسة

بدرخان علي *

جمع السياسيّ الكرديّ – السوريّ الراحل عنّا قبل أيام، إسماعيل عمر، رئيس حزب الوحدة الديموقراطي الكردي في سورية (يكيتي)، صفاتٍ شخصيّة وسياسية أهّلته بحقّ للعبٍ دورٍ مؤثّر في السياسة الكرديّة العامّة في سورية، وليكون مَعْلَماً بارزاً على تحوّلاتٍ طرأت على تلك السياسة وكان هو من أبرز المساهمين فيها، وعنوان مرحلةٍ من مراحل النضال الكردي السلميّ والديموقراطيّ.

فقد شُهد له بصدقيّة واحترام، وتجلّى ذلك في التشييع المهيب وما قيل عنه وكتب.

ولا أدّعي هنا حياديّة ما حيال شخصية الرجل، كما لا أخفي انحيازي التحليليّ لخياراته السياسيّة، ولقيادته أوّل عملية اندماجيّة بين تنظيمات كرديّة عدّة، في الحركة الحزبيّة المشتّتة، أوائل التسعينات من القرن الماضي، وقيام حزبه باستدخال مفرداتٍ جديدة في الخطاب السياسيّ الكرديّ في سورية، أصبحت في ما بعد محدّدات عامّة لهذا الخطاب بفعل جدّتها وجاذبيّتها ومعقوليّتها.
فقد تمكّن من بلورة موقـــف جديد في الحركة الكرديّة على صعيد العلاقة بين البعد الكردستانيّ والبعد الوطنيّ السوريّ للمسألة الكرديّة، ما استوجب، بالتالي، تقويماً نقديّاً لماضي العلاقات الحزبيّة مع الأطراف الكردستانيّة الفاعلة والمؤثّرة، في سبيل توجيه الأنظار والسياسات إلى «التناقض الأساسيّ» المتمثّل بالسياسات المتبعة حيال الكورد في سورية، وعدم إلهائهم وتبديد عواطفهم في قضايا لا تخصّهم كأولويّة نضاليّة.

فـ «قضيتنا تُحلّ في دمشق، لا في بغداد وأنقرة وطهران»، كان يقول الراحل.


وهنا تحديداً لعبت الكاريزما الشخصيّة عنده، النسبيّة لكن غير المفتعلة، هذا الدور الوسيط بين البيئة السياسيّة الشعبيّة التي انحدر منها وعقلنة هذا الوعي الشعبيّ التلقائيّ، وإعادة تدوير الخطاب الكرديّ بتدرّج صوب المسائل الحيويّة للكورد السورييّن.

وفي البال هنا تصريحات وآراء للراحل في لحظاتٍ متوتّرة في حاضر الكورد السوريين، لا سيما بعد أحداث آذار (مارس) 2004 التي كتب عنها افتتاحيات مميّزة وصاغ بيانات مسؤولة لحظة غضب شعبيّ عارمٍ وسياسة سلطويّة مستنفرة، أمعنت في القسوة.

فلم يكن سهلاً مثلاً، وسط تذبذب جلّ القيادات الكردية في الدفاع عن الموقف المعلن لمجموع الأحزاب الكرديّة، وبعضهم تنصّل منه على الفور، أن يثبت إسماعيل على موقفه، شارحِاً مدافعاً محامياً عن ضرورة انتهاج سياسة دفاعيّة وحمائيّة من دون تردّد.
وقد كانت تلك الأحداث العاصفة وما تلاها، لا سيما الندوب التي خلّفتها معالجة السلطة للأحداث وتفاقم الضغط السياسيّ بعد مقتل رئيس الوزراء اللبنانيّ رفيق الحريري، لحظة عصيبة فعلاً على الحركة الكرديّة المبعثرة؛ حيث الجماهير الغاضبة والمحرومة تطالب الأحزاب بـ «انتفاضة دائمة» و «مكاسب ملموسة».

ما كان ممكناً في هذه البيئة المُفسدة للعقلانيّة انتهاجُ سياسة متوازنة وموضوعيّة.

وفي أجواء المنافسات الحزبويّة الصغيرة، ما أُتيح إلاّ لأشخاص واثقين من أنفسهم الجهر بضرورة الحفاظ على المكوّن الكرديّ وعدم جعل المناطق الكردية ساحة مفتوحة للصراع السياسيّ، كيفما اتفق، كما تطالب بعض الأصوات الكرديّة التي يعيش جلّها هانئاً خارج سورية.


وفي الإمكان القول، من دون مبالغة، إنّ الراحل خاض كفاحاً يوميّاً مريراً على هذا الصعيد، من خلال حضور دائم ومميّز بين الناس، ساعياً وطامــحاً إلى تحقيق هذا التوفيق الصّعب بين القرب من الجمهور الكرديّ، من دون شعـــبويّة بالضرورة، والحرص على تمكــينه من لعب دورٍ سياسيّ متوازن ومحسوب قدر الإمــكان، ومن دون إدّعــاءات نخـــبويّة، في مواجـــهة السياسات التمييزيّة، من غير توريطه في سياساتٍ مغامرة وغير محسوبة.
والراحل كان واعياً لفكرتين أساسيّتين احتلّتا قسطاً كبيراً في أدبيات الحزب تحت عنوان: «خصوصيّة القضيّة الكرديّة في سورية».

الأولى، مفادها أنّ حقائق التوزيع الجغرافيّ والتداخل السكانيّ، إنْ في المناطق الكرديّة أو في المدن السوريّة الكبرى، تفرض خطاباً ومطالب وشعارات تستمدّ فعاليتها وقوّتها من تلك الحقائق القائمة على الأرض، في صورة لا تنفع معها الحلول المقترحة للقضيّة الكرديّة في العراق أو تركيا أو إيران.

أما الثانية، فتقول إنّ لمن المستحيل تحقيق مكاسب كرديّة في ظل الأوضاع السوريّة العامّة التي تتحكّم فيها قوانين الطوارئ والأحكام العرفية وغياب الحريات الديموقراطيّة.
وبالفعل، فمع أولى تباشير «ربيع دمشق» تميّز حزبه بالانخراط في فعالياته وارتقى مع أحزاب كرديّة أخرى قليلة، إلى تفعيل المشاركة الكرديّة في المداولات والنقاشات الوطنيّة حتّى تأسيس إعلان دمشق للتغيير الوطنيّ الديموقراطيّ في خريف 2005، فكان الراحل ممّن صاغوا وثيقته الأساسيّة التي نصّت في أحد بنودها على «ضرورة إيجاد حلّ ديموقراطيّ عادل للقضية الكردية في سورية في إطار وحدة البلاد».


بعد كلّ هذا، هل حقّق الراحل شيئاً ملموساً للجمهور الكرديّ، ولشعاراته وأهدافه؟ من دون إجحاف بحقّه نقول، لا.

لكن، هل التراكمات الصغيرة والموضعيّة تذهب سدىً؟ هل السياسة تقاس بتحقّق النتائج فقط؟ السياسة الصعبة والوعرة هي التي مارسها الراحل بعيداً من تبسيط الواقع المعقّد واشتقاق الحلول من الشعارات، تارِكاً المكاسب الآنيّة لمَنْ يهواها، وما أكثرهم!
* كاتب كردي – سوري مقيم في بيروت.
bedirxaneli@hotmail.com
جريدة الحياة

الاربعاء, 17 نوفمبر 2010

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…