كوباني وطن وليس حزبا

صلاح بدرالدين

 

لا تقتصر معاناة أهلنا في منطقة ( عين العرب – كوباني ) على
الاقتلاع من أرض الآباء والأجداد والنزوح والتشرد أمام الهجمة الظلامية الاجرامية
لقطعان – الدواعش – اسوة بمدن وبلدات سورية أخرى في جنوب ووسط وشمال البلاد جراء
الاعتداءات الوحشية لجيش النظام وبراميله وصواريخه التي دمرت مدنا مليونية وفي
غمرة الدفاع الشعبي المستميت عن الأرض والعرض والكرامة ابتلى شعبنا المقاوم هناك
بآفة الأحزاب وأمراضها وآيديولوجياتها المستهلكة وصراعاتها الجانبية ومزايداتها
الفارغة وتبعيتها لمحاور داخلية وخارجية معادية والتي قد تشكل لهشاشة بناها
وافتقارها الى الحصانة الشعبية الكردية والضمانة الوطنية السورية والائتمان الدولي
سببا مباشرا لأية نكسة أو هزيمة أمام جحافل الأعداء
فالأحزاب المهزومة الفاشلة تلك هي نفسها التي أفرغت الحركة الوطنية
الكردية السورية من مضمونها القومي الديموقراطي والوطني لصالح نهج التفرد الحزبي
والغاء الآخر المختلف وأرادت عزلها عن المسيرة الوطنية منذ اندلاع الثورة السورية لمصلحة
الانكماش المناطقي والتحكم الفئوي وبسط النفوذ واستثمار الموارد بمنطق الحزب
القائد حيث يدفع شعبنا الآن ثمن تلك الخطيئة وذلك الانحراف الآن في كوباني وقد
يكون غدا في مناطق أخرى . 
    في هذه الأوقات الصعبة
والظروف المصيرية الدقيقة وبالرغم من الرأي القائل بتأجيل البحث في القضايا
الداخلية الى وقت أكثر ملاءمة فانني أرى بضرورة المكاشفة لأنه لاأسرار أمام
ماينتظر شعبنا في منطقة كوباني وغيرها من مآلات مصيرية حتى لوكانت قاسية للبعض
الحزبي قد تدفع الأمور باتجاه تقييم الموقف وتصحيح النهج والمسار لانقاذ مايمكن
انقاذه وتزيل عن كاهل شعبنا بعض الضرر وشيئا من الأذية من أجل المستقبل وذلك من
منطلق أن الشعب بنسائه ورجاله وشيبه وشبانه هو الأصل والمبتغى أما الأحزاب
والتنظيمات فمجرد تفاصيل الى زوال . 
  ليس خافيا أن هناك شعورعام
– لايخلو من الصحة في بعض جوانبه – تغذيه جماعات – ب ك ك – في وسائل اعلامها
لغايات سياسية خاصة بها ذلك الشعور مجبول بالعتب بترك كوباني لمصيرها على الصعد
القومية والوطنية والدولية ومن المفيد هنا ومن أجل البحث عن الحقيقة مناقشة
تداعيات كل صعيد على حدة : 
 أولا – منذ أن اجتاحت
جحافل – داعش – قرى وبلدات منطقة كوباني وأصبحت قريبة من المدينة وليس قبلها بدأت
قيادات – حزب العمال الكردستاني التركي – وتنظيماته في سوريا وتركيا تدعو الكرد في
سوريا وفي اقليم كردستان العراق الى تقديم الدعم العسكري والمادي والمشاركة في
القتال الى جانب قوات جماعات – ب ك ك – بل تحت امرتها مع التذكير بأن تلك الجماعات
وقبل التهديدات الجدية الراهنة وفي الظروف الاعتيادية لم تكن على استعداد للسماح
لأية جهة كردية سورية أخرى حزبية كانت أم شبابية أم مستقلة للمشاركة في قرار
سلطتها التي فرضت بقوة السلاح وعبر الاملاء في مناطق كوباني وغيرها كما أن
علاقاتها السياسية لم تكن على مايرام مع حكومة ورئاسة اقليم كردستان العراق ليس
بخصوص التهرب من تطبيق اتفاقية اربيل التي رعاها السيد رئيس الاقليم بل أرادت خلق
عقبات ومشاكل أمام شعب كردستان العراق وبيشمركته في محاربة – داعش – خاصة في –
شنكال – . 
  ثانيا – على الصعيد
الوطني هناك قطيعة منذ ثلاثة أعوام ونصف بين قوى الثورة السورية والجيش الحر من
جهة وبين جماعات – ب ك ك – لأن الأخيرة وفي نظر جميع أطراف الثورة والمعارضة جاءت
كجزء من مشروع النظام وخططه الداخلية المواجهة للثورة وبدعم واسناد النظام
الايراني ولأنها انتهجت طريق عزل الكرد عن الثورة وموالاة النظام – سرا وعلانية –
في مختلف المناطق السورية الى درجة التورط في عمليات تصفية واختطاف ناشطين كرد
سوريين وحتى الرئيس التركي يتمسك بهذه الذريعة ويستغلها في عدائه لحق تقرير مصير
الشعب الكردي حيث قال قبل اسبوع في معرض الرد على أسئلة صحافية عن سبب عدم دعم
الحكومة للأحزاب الكردية السورية التي تقاتل في كوباني ” فليقطعوا أولا
علاقاتهم ببشار الأسد الذي يدعمونه ويدعمهم ” . 
  ثالثا – على صعيد التحالف
الدولي – العربي وحربه على – داعش – فكما هو معلوم وجه ضربات جوية عديدة على
مواقعها حول كوباني وكما يبدو لم تكن حاسمة بسبب انعدام التنسيق مع مسلحي جماعات –
ب ك ك – على الأرض كما يحصل مثلا في مناطق كردستان العراق من حسم وتحرير للبلدات
والقرى حيث العلاقات السياسية قوية ومتجذرة والتنسيق العسكري المستند الى
الاحداثيات اليومية قائم وقد تكون الأسباب الوطنية السورية نفسها تخيم على النظرة
الدولية حول طبيعة جماعات – ب ك ك – وعلاقاتها السورية والايرانية . 
   لكل تلك الأسباب
والوقائع الموضوعية ومن سوء حظ الكرد عموما والمقاومين الشرفاء الذين قرروا
التضحية بالنفس على وجه الخصوص ويحظون بكل آيات التقدير والاعجاب ولايتحملون خطايا
قياداتهم فان سلطة الأمر الواقع اللاديموقراطية لجماعات – ب ك ك – على كوباني ليست
مؤهلة لقيادة الشعب الى الانتصار والحفاظ على الأرواح والممتلكات وتأمين المشاركة
القومية والوطنية في الدفاع والمقاومة وجلب التضامن الدولي والاقليمي والخشية أن
تقدم هذه الجماعة في قادم الأيام على خطوات لاتخدم القضيتين القومية والوطنية
وستبقى كوباني قضية شعب ووطن ومستقبل وليست مسألة أحزاب . 
  

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن البديل الديمقراطي ضد الديكتاتورية الحاكمة في إيران لا يُعرّف بالشعارات والادعاءات. البديل الحقيقي هو القوة التي تمثل صوت المنتفضين، وتتواجد في قلب المعركة، وتستطيع نقل واقع انتفاضة الشعب الإيراني إلى الرأي العام العالمي. من هذا المنظور، فإن دراسة انتفاضة الشعب الإيراني وتداعياتها توفر معياراً واضحاً لتمييز البديل الحقيقي. التنظيم؛ الشرط الضروري للبديل إن دفع الاحتجاجات المناهضة…

إبراهيم اليوسف   كان الخوف يسكنني طويلاً كلما نظرت إلى أبناء الجيل الذي كبر بعيداً عن تراب الولادة. خشية على ارتباطهم بلغتهم. خشية من انقطاع الخيط الذي يربط البيت الأول بالشارع الجديد. خشية من أن تتحول الذاكرة إلى صورة باهتة معلّقة فوق جدار لا يلتفت إليه أحد. شعرتُ أن الغربة لا تكتفي بأخذ الجغرافيا، إذ تمضي أبعد فتأخذ الكلمات، ثم…

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….