بين سلام الثوار وسلام «البازار»

صلاح بدرالدين

  هناك أوساط واسعة من جماعات وتيارات وأفراد في الخندق الوطني مدنيين وعسكريين من المشاركين بالثورة ميدانيا أو الداعمين لها ماديا ومعنويا والواقفين الى جانبها سياسيا وثقافيا بالداخل والخارج اما رافضين  مبدأ الحوار والتفاوض مع النظام باعتبار ذلك حسب اجتهادهم الصائب يتناقض وأهداف وشعارات الثورة التي راحت عشرات آلاف الشهداء تحت ظلها وثمنا لها حتى الآن ناهيك عن المعتقلين والنازحين وحجم الدمار الذي لحق بممتلكات المواطنين أو معترضين على نهج الوفد المفاوض ليس من حيث إشكالية التمثيل والتفويض فحسب بل كونه وفي ظل موازين القوى الراهنة يرتضي بالابقاء على النظام الحاكم في المدى المنظور كما هو بذريعة مضللة وهي (الحفاظ على وحدة الدولة) وبحجة الاستجابة للارادتين الإقليمية والدولية وكأن الثورة السورية قامت بناء على تلك الإرادة أصلا ! .
    ان – الرافضين والمعترضين – الذين يعبرون عن رؤى قطاع هام وأساسي واسع من قوى الثورة والوطنيين السوريين لايستهان به ليسوا مع القتال من أجل القتال وليسوا ضد السلام والاستقرار بل آمنوا بالثورة وناصروها كوسيلة وليس هدفا ليتوصلوا الى تحقيق السلام للشعب ووقف عملية ابادته ومن أجل اسعاده واستعادة كرامته في ظل الحرية والديموقراطية التعددية لأنه معدوم في ظل الاستبداد فكيف يمكن بهذه الحالة قبول نظام يحجب السلام عن الشعب اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا منذ حوالي نصف قرن بل يعلن عليه الحرب بكل أنواع الأسلحة الفتاكة والمحرمة دوليا بما فيها الكيمياوية منذ ثلاثة أعوام أو التشارك معه في حكومة ائتلافية تنطلق من مصالحه وتقاد من دوائره الأمنية – العسكرية – البعثية – الفئوية ؟ .

  ان – الرافضين والمعترضين – محقون تماما عندما يثيرون الشكوك حول شرعية وطبيعة وفد – الائتلاف – المفاوض الذي يفتقر أولا الى أدنى درجات الديموقراطية في حياته الداخلية – التنظيمية كما أظهرت ذلك اجتماعاته الأخيرة في استانبول وانسحاب أكثر من أربعين من أعضائه وعدم اكتمال النصاب القانوني لاصدار القرارات وخاصة حول مسألة المشاركة في جنيف2 وبذلك لن يكون النموذج البديل الأفضل للاستبداد ولن ينجح في نيل الشرعية الثورية– المستعارة –  حتى اذا نجح في استحضار أفراد من ضباط الجيش الحر ليضمهم الى وفده الذي لايعبر على أية حال عن الوجه الحقيقي لسوريا الثورة والنضال .
  لقد تابع السورييون مسارات تجارب ثورات الربيع في بلدان سبقت ثورتهم وكيف تمكنت قوى الثورة المضادة من الأحزاب والتيارات السياسية التقليدية من اختطافها في منتصف الطريق وحرفها عن الأهداف الحقيقية والاكتفاء اما بسيطرة حزب أو تيار على مقاليد السلطة كما كانت من دون تفكيكها أو اعتبار إزاحة رئيس مع الإبقاء على بنية النظام وكل دعائمه ومؤسساته بمثابة نهاية مطاف الثورة نعم لقد سرقت القوى التقليدية ثورة الشباب في جميع بلدان الربيع بشكل أو بآخر وبدعم واسناد وتدخل مباشر من القوى الخارجية الإقليمية والدولية حيث تلتقي المواقف السياسية والمصالح كما يظهر الآن وفي أكثر من مكان كيف أستطاعت القوى التقليدية التي لم تشارك الثورة ولم تكن في أولوياتها وبرامجها أن تستثمر تضحيات الشباب وتستغل طاقاتهم الخلاقة وابداعاتهم في الكفاح ضد الاستبداد ومواجهة أجهزة القمع بفعالية وشجاعة ثم الانقلاب عليهم ووأد طموحاتهم وتطلعاتهم المشروعة ووقف اندفاعتهم العفوية تجاه غد أفضل وبناء المستقبل الزاهر .
  كيف لايخاف السورييون على ثورتهم وهم يتابعون بقلق تصرفات – المعارضات – وهي بكليتها من التيارات التقليدية بمافيها الاخوان المسلمون وجماعات الإسلام السياسي وغالبيتها من نتاج تربية وثقافة النظام البعثي المستبد عندما تعتبر أنها الوصية على الثورة والناطقة باسمها كيف لايتحذرون وهم يعلمون علم اليقين أن السقف الأقصى لموقف أعضاء وفد – الائتلاف – لايتعدى حكومة انتقالية مؤتلفة وشراكة مع مكونات ومؤسسات وقادة هذا النظام الجائر بالذات كيف لايقلقون عندما يلحظون أن ثوارهم وحراكهم وتنسيقيات شبابهم مبعدون عن مركز قرار المصير والسلم والحرب والحوار بل وأصبح ذلك القرار بأيدي مراكز إقليمية – عبر عدد من الوكلاء – ليست حريصة لا على انتصار الثورة ولاعلى عملية اسقاط النظام واجراء التغيير الديموقراطي ووحدة البلاد .
 الثورة تسعى الى سلام حقيقي في ظل الحرية وليس السلام – الملغوم – في بازار التفاوض مع النظام الجائر .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…