السياسة الأمريكية في سوريا بين المصالح والأخلاق…. ما تتكتم عليه الإدارة الأمريكية (2)

د. محمود عباس

    في الأيام التي تجاوز فيها  بشار الأسد الخط الأحمر، حول الأسلحة الكيميائية، كان البحث مستعجلا ومرتبكاً، من قبل إدارة واضع الخط السيد براك أوباما، للخروج من الأزمة، والتغطية على الموقف المحرج أمام الإعلام والعالم، فأقروا على مضض تقبل  المساعدة من جهتين: إحداهما، العرض الروسي، بعملية نزع السلاح الكيميائي من السلطة السورية، والثانية،  نقل القرار حول خطه الأحمر من البيت الأبيض إلى قاعات الكونغرس، وقيل، حينها، تنفس  باراك أوباما الصعداء، وكأنه خرج من زنزانة دبلوماسية وضع ذاته فيها، ومن حينها دققت إدارته في كل خطوطه الحمر والتي لم تظهر مثلها بعدها وإلى اليوم، بل أصبحت مواقفه تعلن بعمليات تحذيرية أو تأديبية لا أكثر، ومنها عملية إغلاق السفارة والحد من تنقلات سفير سلطة الأسد في هيئة الأمم،
علماً أن هذه العملية بحد ذاتها تندرج  ضمن خطوات التعامل السياسي الدبلوماسي بينها وبين روسيا، وهي من ضرورات المرحلة بالنسبة لهما معاً، مثلما كان قبلها تشديده، بفترة ليست ببعيدة، على عدم تسليح المعارضة تحت حججه المعروفة، وهي في اغلبها تندرج ضمن عملية التوازن بين السلطة والجهاديين، وتمرير الزمن لغايات بعيدة تخص منطقة الشرق الأوسط عامة.
 أصبح واضحا أنهم لا يسمحون بنجاح ثورة الشعب السوري، والتي يجدونها مسلوبة من قبل المنظمات الإرهابية والإخوان المسلمون ومعهم بعض الشخصيات المعارضة الذين كانوا وطنيين يوماً ما وأصبحوا متشددين لا يقلون عن الجهاديين في العديد من مفاهيمهم، وبناءً على آراء مستشارين لا قيمة للشعب وثورته لديهم، ولا رؤية إلا عبر مصالحهم، يغضون الطرف عن المعارضة الوطنية وعن الشعب السوري الذي يصارع السلطة بعملية وجود أو لا وجود.
   مع ذلك هناك في بعض المواقع ستتلاقى مصالحهم والشعب السوري، وعلى الأغلب أن أمريكا وأوروبا في كثيره ينتظرون خروج تام للأسلحة الكيمائية،  أي خط براك أوباما الأحمر وكأنها لا تزال عقدة في مواقفه، ولا نستبعد مواقف أكثر صرامة بعد التأكيد على إخراج أخر قطعة منها، فالخوف هنا من الجهاديين أكثر مما هي من سلطة الأسد، فهذا الترقب وهذه السياسة تدركها كل من روسيا وسوريا، لهذا نرى تماطلهم، بإخراج  وإتلاف الأسلحة، وتمديدهم للزمن المحدد قدر المستطاع، رغم نفي ما يقومون به، وهو النفي المتعود عليه العالم من خلال الدعم الدبلوماسي أثناء قيام السلطة بمجازرها الإجرامية ومثلها التدخلات الفاضحة من قبل القوى والمنظمات التي تدعم الأسد في وجوده، والبعض من الأحزاب الانتهازية والمنظمات الإرهابية  المرتبطة تكتيكيا بالسلطة تستخدم نفس النهج، أي نفي الحقيقة رغم وضوحها.
 ففي كل هذا وغيرها، تطفوا على السطح أحيانا خلافات بين السياسيين الأمريكيين أنفسهم، بين الجمهوريين والديمقراطيين، وبعضها على سويات الدور الأمريكي الخارجي وتقليصه، البارزة بشكل واضح، والفاضحة في الإعلام وبين مراكز الدراسات الاستراتيجية، ومثلما العلاقات الاقتصادية الداخلية والخارجية، فلا يخفي أي من الطرفين وجهة نظره ونهجه السياسي والدبلوماسي في هذه الأبعاد، خاصة أثناء الدعايات الانتخابية. فالحزبان عادة يركزان على  قدرة أقناع الشعب بالمنطق الذي يمكن من خلاله تقليص البطالة وزيادة مستوى رفاهية الشعب، إما عن طريق دعم الطبقة المتوسطة أو الشركات الكبرى كحافز لجميع شرائح المجتمع  وتحريك الاقتصاد، كل حسب وجهة نظره، فالجمهوريين أصحاب النهج في دعم الرأسمالية والمنافسة الحرة، وكما نعلم أن معظم الحروب التي شاركت فيها الجنود الأمريكيين ظهرت في فترة إدارة الجمهوريين، وهو نهج مبني على أن حراك الاقتصاد يجب أن يكون متداخلا ما بين الداخل والخارج، وهو الفضاء العالمي الذي يلغي الحدود الجغرافية لأنهم يركزون على الشركات الرأسمالية العالمية، لتحريك وتطوير الاقتصاد الداخلي، في الوقت الذي يركز فيه الديمقراطيون على الطبقة المتوسطة والتي لا تخرج في كثيره عن نطاق جغرافية أمريكا، فالبعض من الأمريكيين يبررون عدم تدخل الإدارة الأمريكية الحالية المباشر في القضية السورية بالتالي: وهي الرؤية الداعمة بحد ذاتها لنهج الإدارة المعروفة بليبراليتها ضمن الحزب الديمقراطي، والغريب أن الذين يطرحون الأفكار التالية هم من الحزبين.

1-بالرغم من إننا حررنا الشعب العراقي من حكم الطاغية صدام حسين، أصبحنا استعماراً لدى المعارضة العراقية والبعض من المثقفين العرب.

2-تلقينا من الليبيين، الذين خلصناهم من معمرهم المجنون، هدية إجرامية، فقد قاموا بقتل قنصلنا الأول كريستوفر ستيفنسون وحرق القنصلية وأصبحنا دولة كافرة في كل شمال أفريقيا.

3-أفغانستان لا تزال تستجدي لبقاء قواتنا فيها، وهم في الحقيقة لا يروننا سوى دولة استعمارية كافرة.

4-هكذا الأن أمريكا، بالنسبة لمعظم المنظمات العربية وأغلب مثقفيهم، دولة استعمارية وصدام ومعمر وغيرهما أصبحوا أبطال قوميون وقفوا في وجه دولة غازية.

5-رغم كل الحماية التي نقدمها لدول الخليج للحد من الاجتياح الإيراني لا يروننا سوى كفار ويكرهوننا بلا حدود.

هذه وغيرها من القناعات الحاضرة بين شريحة لا يستهان بها من الشعب الأمريكي والأوروبي أيضاً، والتي تعتمد عليها الإدارة الأمريكية الحالية لتثبت أن معظم الدول والشعوب الإسلامية تتبنى ثقافة مناهضة للأمريكيين مهما كانت طرق أو نوعية المساعدات التي تقدمها، ولا يستبعدون ظهور ونشر نفس المفاهيم حولها في حال تدخلها أكثر من الجاري في القضية السورية، حتى ولو أدت إلى أنقاد الشعب من سلطة الأسد المجرمة، والتي قد يصبح بعدها بطلا قوميا! وفي كل الأبعاد تبقى الثقافة المنتشرة بين شعوب العالمين العربي والإسلامي معادية للوجود الأمريكي والأوروبي رغم كل الارتباطات السياسية والصناعية والثقافية بهم.
بل والبعض حتى ولو كانوا قلة لكنها موجودة وتسمع، الذين يقولون بأنه الأفضل للحركات الجهادية والإرهابية والسلطات الطاغية تصفية ذاتهم بذاتهم، علهم يتمكنون من تغيير الثقافات المشوهة والخاطئة تجاه الأخرين والتعامل بالمنطق الإنساني. وللأسف هذه المفاهيم تدفع ببعض السياسيين ومستشاريهم أن يتناسوا فيه الإنسانية المدمرة ودور إداراتهم فيها!

   البعض من السياسيين والعسكريين الكبار يتبنون هذه الدعاية، وكثيرا ما يقولون لماذا سنتدخل في سوريا بشكل مباشر ونضحي بشبابنا هناك، وتكفيرييهم سيصبحون شهداء وجنودنا مجرمون، والبعض منهم لا يرون ذاتهم سوى رسل السلام والمساعدة للشعوب،  ومن أحد الكبار الذين صرح بمثل هذا الموقف كان رئيس الأركان الجنرال مارتن ديمبس، عندما قارن بين حزب الله والقاعدة في سوريا، في الوقت الذي يقدمون فيه كل المساعدات الإنسانية الممكنة للشعوب المستجيرة من طغاتها، وهو الموقف الذي لا يكتمه شريحة من الشعب الأمريكي عند التحدث عن السياسة الخارجية وتدخل الجيش الأمريكي المباشر.

لا شك المصالح كلنا نتكالب عليها، حتى ولو كانت دعم الثورة السورية لوجه الله، فإنهم يرون مصلحتهم من خلال وجه الله، وهذه حقيقة، رغم ظهور الأنانية فيها بكل أبعادها، إلا أنه منطق كلي، فكل من يعمل لوجه الله يندرج في  بعضه أو بكليته لمصلحته، فالله غني عن أعمال الإنسان، والإنسان يستخدم خدمة الله لمصلحته، والمصالح تتنوع من دنيوية إلى مصالح للأخرة، وفي النهاية كلها مصالح إن كانت فردية أو مصالح شعوب أو دول، رغم إن البعض يفرزها ما بين الأنانية والمصلحة الطيبة أو القيم والأخلاق في العملية، وهذه الأحكام تتغير من حيث وجهات النظر، واختلاف الرؤى والزوايا التي تنظر منها وإليها.

ومن يدعي انه لا يبحث عن مصالحه ينافق على ذاته قبل أن ينافق على الأخرين، فرداً كان أم شعوباً أم منظمات ودول، لكن وتبقى من مصلحة العالم والإدارة الأمريكية والأوروبية التخلص من سلطة بشار الأسد الشمولية، التي أغرقت المنطقة بكل الأوبئة، وإعادة الشعب السوري المهجر إلى وطنه.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…