ميشيل كيلو
بالمقابل، لا مفر من توطيد وتعزيز النزوع الديمقراطي وتقوية تواصله قوى وفكرا مع مختلف قطاعات وشرائح المجتمع، بما يجعل الحرية هدف الفاعلية السياسية والتنظيمية لأي حزب أو نخبة أو تيار، وإغنائه بروح دينية لحمتها وسداها التسامح وقدسية الحياة، والإقرار بحقوق جميع مخلوقات الله في العيش والأمان والكرامة، وفي العدل والمساواة.
هذا ما يجب أن يكون عليه برنامج العمل الوطني السوري من الآن فصاعدا، بما أن «الجيش الحر»، الجهة التي يلتقي الجميع على دعمها والإقرار بدورها الحاسم في الصراع من أجل الحرية، هي التي يجب تركيز جميع الجهود على توحيدها وتنسيق عملياتها بصورة مركزية ومخططة، لكونها الطرف الذي يحمل اليوم عبء القتال ضد الإرهاب، ويهب لردعه بعد أن أقام حدا أدنى من الوحدة بين فصائل رئيسة منه، فلا غنى بعد الآن عن توحيد قدراته في إطار جيش جامع، يستعيد بما له من قوة واقتدار رهان الثورة الأصلي، ألا وهو الحرية كحاضنة تحتم بناء نظام جديد في سوريا يمثل نقلة نوعية في تاريخها السياسي وتطورا هائلا في الاتجاه المفضي إلى ما يريده ناسها: العدالة والمساواة والكرامة. ولعل من أكثر الأمور المهمة التي يجب أن تلفت نظرنا واقعة مفرحة تتجلى من خلال الصلة الوشيجة بين نشاط «الجيش الحر» والحراك الشعبي، فما إن بدأ الأول مقاتلة «داعش» وطردها من أماكن انتشارها، حتى بدأ الثاني مظاهرات سلمية وحراكا مدنيا ضدها، واستعاد الاثنان ملامح حقبة خلنا أنها زالت ودالت، بيد أنها انبعث بفضلهما من تحت ركام الصراعات العربية والإقليمية والدولية الكثيف في بلادنا وعليها. هذا التلازم التكاملي بين المقاومة بالبندقية وبالحراك السلمي يضع يدنا على مفاصل أولية لاستراتيجية طال انتظارنا لها، يخوض فيها الجيش والشعب معركة شاملة ضد الإرهاب، تتحول بجهود القوى السياسية والمجتمعية العسكرية والمدنية الموحدة إلى رافعة تضمن تقدمنا نحو الحرية وانتصارنا على النظام، الذي رعاه وأنتجه وها هو يستخدمه ضدنا.
بهذا المنظور، ليست المعركة ضد «داعش» غير مجرد جزء وحسب من المعركة ضد النظام، فلا مبالغة إن اعتبرنا هزيمتها مقدمة لهزيمته، شريطة أن لا نتقاعس عن مواصلة المعركة ضدهما والسير فيها إلى نهايتها، وأن لا نتوقف في منتصف الطريق ونسمح لورم «داعش» السرطاني بالنمو من جديد، وبالتهام جسدنا قطعة بعد قطعة، كما كان يفعل مع «الجيش الحر». إلى ذلك، تمثل المعركة الحالية بوابة خروج من احتجاز فرضه النظام والعالم علينا: الأول عبر معركة تحول دون هزيمته وتمكنه من اختراقنا إرهابيا، وتشتيت طاقاتنا وقتلنا وتجويعنا إلى أن نركع. والثاني بالتلاعب بنا من خلال سياسات هدفها إدارة أزمتنا: فهي تطبخها على نار هادئة وتبقي عليها لأطول فترة ممكنة.
تشير معركتنا ضد «داعش» إلى الاتجاه الذي يوصلنا إلى حريتنا. هل نفوت هذه الفرصة كما فوتنا غيرها، أم نفيد منها كي نسقط نظاما قاتلا ساعدناه على النجاة بأخطائنا وعشوائية عملنا؟!
الشرق الأوسط






