محاولة في اعادة تعريف «المعارضة» السورية

صلاح بدرالدين

منذ الأيام الأولى للانتفاضة السلمية التي فجرها الشباب عبر تنسيقياتهم وحراكهم الثوري العام باحتضان شعبي وطني قبل أكثر من ثلاثة أعوام والتي شكلت مقدمة لاكتمال شروط الثورة السورية الراهنة كان واضحا أنها نشبت من دون أية علاقة سياسية مباشرة مع ماكان سائدا في الساحة السورية من أحزاب تقليدية بشكل خاص والطيف الذي كان يعرف بالمعارضة وهي كانت باستثناءات قليلة جدا مدجنة مرضية عنها أمنيا استثمرها النظام لعقود كديكور ولم يكن سقفها يتجاوز المطالبة باصلاحات لتعزيز بنية السلطة وليس لاسقاطها وترسيخ ( النظام الوطني بوجه الامبريالية والصهيونية ) و ( تصليب عود الوحدة الوطنية لتشكل قاعدة متينة يستند اليها النظام في مواجهة التحديات القومية ) وغير ذلك من الشعارات والخطابات التي كانت المادة الأساسية لأدبيات – المعارضة ! – لعقود خلت .
  دفعت انتصارات عدد من ثورات الربيع في ازاحة رموز الاستبداد واقامة حكومات جديدة عبر تجربة ( اللجان والهيئات والمجالس الوطنية البديلة ) ” المعارضة السورية التقليدية البائسة ” الى البحث عن موقع لها في الثورة من دون أية مساهمة مسبقة أو تقديم التضحيات وفي حين وطوال تاريخ تعاملاتها مع أجهزة وسلطات نظام الاستبداد لم تحلم في يوم الأيام حتى بامكانية الشراكة بل كانت تقوم بدور التابع الذليل الباحث عن فتات المنتظر لمكارم آل الأسد دفعتها المغريات الى التسلل والسيطرة وكانت البداية التسلط على مقدرات ( المجلس الوطني السوري ) ومن ثم ( الائتلاف ) وعلى مبدأ من شب على شيء شاب عليه وبحكم الخبرة المكتسبة في خدمة نظام الاستبداد تحولت الى عالم التعاملات التجارية والمقايضات مع الأنظمة الرسمية بالمنطقة وكانت قوى الثورة وخاصة الجيش الحر بمثابة سلعة ثمينة لها والقضية السورية كعنوان .

 وعلى حين غرة وقبل انقضاء العام الأول تعرضت الثورة الى هجمة تسللية كثيفة من كل حدب وصوب من جماعات الاسلام السياسي ورأس حربتها الاخوان المسلمون ومن قومويين بأغطية يسراوية وليبراوية واكتمل المشهد – المعارض ! – السائد الذي احتل الثورة بالمال الخليجي والجغرافيا التركية والشعارات المزايدة والمناقصة في آن ووجدنا أنفسنا بين أشكال جديدة من – المعارضات – توزعت بين : تقليدية سبق ذكرها وحديثة العهد من تجار وسماسرة وأعضاء بحزب البعث الحاكم وأجهزة الدولة الأمنية والادارية ومجموعات من رجال الأعمال كانوا يعتاشون على بركات آل مخلوف والمافيا المالية الحاكمة ثم اختلفوا أو جاؤوا بحثا عن ربح أكبر وشروط أفضل طبعا نستثني هنا وللأمانة التاريخية شخصيات وطنية من أصحاب الرأسمال لم يدخروا جهدا في دعم الثورة والثوار وخاصة الذين ساهموا بتغطية نفقات المؤتمر الأهم ( مؤتمر أنطاليا ) في العام الأول للثورة .
  من الواضح أن هذه – المعارضات – الغريبة عن جسم الثورة بل المتاجرة بدماء الشهداء وبمحنة السوريين والتي تجسد اما سياسة النظام الحاكم أو سياسات دول الاقليم والتي قد تلتقي على مشتركات في يوم ما مثل التحاور والشراكة في حكومة واحدة ووأد الثورة تقوم ومن أجل التغطية على حقيقتها البائسة بين الحين والآخر بطرح المبادرات قصد الالهاء بدءا بالجنيفات ومرورا بترتيبات انقلابية في صفوف الجيش الحر وانتهاء باطلاق الوعود السخية بشأن التسليح والتمويل ومع والى جانب كل ذلك لاتنقطع الدعوات تلو الأخرى الى مؤتمرات واجتماعات تشاورية ( لقوى المعارضة الوطنية ! ) وآخرها الصادرة من ( هيئة التنسيق ) التي قامت كحاجة ماسة لنظام الاستبداد لممارسة النفاق وضروب المناقصات على مطالب الشعب والثورة والمزايدات حول القضايا القومية والوطنية والتي اقترفت الخطيئة الأكبر وبايعاز من السلطات في تغطية جماعات – ب ك ك – وهي شبيحة كردية في خدمة السلطة برداء وطني مقابل خطيئة – الائتلاف – في تبني الأحزاب الكردية التقليدية الفاشلة وتلميع صورة الشخصيات الكردية الانتهازية والمتواطئة مع النظام طوال عقود .
  من هي تلك القوى الوطنية المعارضة التي تدعوها هيئة التنسيق للتشاور في القاهرة ؟ هل هي نفس الجماعات الفاشلة التي ترفع اما سيف النظام أو سيف النظم الرسمية الاقليمية ؟ هل هي التي وضعت الثورة في مأزق وأغرقتها بالارهابيين ؟ هل هي التي تقوم بدور الطابور الخامس في خدمة النظام ؟ هل هي التي تدعو الى الحوار والتفاهم مع السلطة المستبدة والتشارك معها في حكومة واحدة ؟ هل هي التي تخلت عن أهداف الثورة وثوابتها في اسقاط النظام وتفكيك سلطته ورموزه ومؤسساته واعادة بناء الدولة الوطنية التعددية الجديدة ؟ .
  لهيئة التنسيق هدف واحد من كل فذلكاتها الاعلامية : الاجهاز على البقية الباقية من قوى الثورة وتقديم خدمات للنظام والوصول الى شراكة مع – الائتلاف – بقيادتها النافذة الممثلة لمصالح وأجندات خارجية في صفقات بيع الثورة والحوار مع نظام الاستبداد .

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد جميل محمد عشرات السنينَ الغنيّة بآلاف التجارب على مرّ التاريخ، ومنطق العقل يقول: إن قضايا الشعوبِ ومشكلاتِها وأزماتِها لا تُحلّ بالشعارات الحماسية والصراخ المُجَلْجِل خلف الشاشات، ولا تحلّ بالخطابات الرنّانة والضوضاء والزَّعيق أو بتخوين الآخَرين المختلِفين، ولا تُحلُّ بالفَساد والفاسدين والمفسِدين والمدَّعين الزائفين، ولا باختلاق الأكاذيب وإشغال الناس بالأوهام والركض وراء سراب الوعود الخيالية. عشرات السنينَ، وقضايا الشعوب لا…

إبراهيم اليوسف   إلى أم أيهم رفيقة دربي في بكائها الذي لم يتوقف إلى كل الأمهات اللواتي تقفن ضد الحروب والقتل   مرّت علينا أيام جد ثقيلة كأن الزمن توقف أو انكسر داخلها، إذ لم يعد النهار نهاراً ولا الليل راحةً، إنما كنا في مهب امتداد موجات قلق لا ينتهي. خبر صادم يتلوه خبر مماثل آخر، إشاعة تسبق أخرى….

خالد حسو تظل عفرين، بمعاناتها ورمزيتها الوطنية، حاضرة في الوعي الكوردي، لكنها غائبة عن مراكز اتخاذ القرار في الحوارات السياسية. إن غياب التمثيل العفريني في وفد المجلس الوطني الكوردي المشارك في الحوارات الجارية مع دمشق يثير تساؤلات جدية حول شمولية العملية التفاوضية ومعايير العدالة في التمثيل. فالعدالة في التمثيل ليست مجرد معيار سياسي، بل قضية جغرافية أيضًا. تمثيل كل منطقة…

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…