إبراهيم محمودثمة مجتمعات تتلاقى في عالم الفيسبوك، ثمة اختراق يتم لحدود ومواقع، ثمة نحت أزمنة وتحديد أمكنة، يقدمها عالم الفيسبوك، ومن هم معنيون به في تقانتهم الضوئية.
يكون الفيسبوك التحدي الأكبر للذين ينطلقون مما هو أرضي وخندقي، من مواقع راصدة لجهات وحركات أشخاص، إنه يفصح عن تسللات للحدود التي يعجز الخائف على نقطة مراقبته عن ضبطها، والحيلولة دون عبورها، لأن لا أحد يجتاز الحدود هذه بشخصه، إنما يمرر عبارات مختصرة، تخص أزمنة وأمكنة، تمثّل ضغطاً على المعاين الحدودي من الداخل بضرورة الخروج من قمقمه من النظر من زاوية واحدة فقط.
إن الأرض مكشوفة من الأعلى..
لا خيار أمام محارب الفيسبوك ومن يباغتونه في تنوع مواقعه، من الاعتراف بحق هذا الذي كان حتى الأمس القريب جداً غير معلَن عن اسمه، وهو كثير عدده.
إن منطق التغير يفرض الدخول في عقد اجتماعي جديد، لا يجد صاحب السلطان بداً من الإصغاء إلى صوته كما لو أن الفيسبوك فيما يتضمنه من قوى، يمثل ولادة عصر مختلف، وإنسانه مختلف في سياق قواعد طبيعة تتراءى دقيقة في تثبيت قوانينها، حيث يستحيل لأي قوة أن تستأثر بسلطة وتستثمرها وفرض إملاءاتها على الآخرين كما هو الممكن تحرّيه أو تبينه في الجاري في العالم، وفي العالم العربي دون استثناء.
الفيسبوك ليس كائن الظلمات، إنما يعرّي حاميها، إنه الدخول في التنوير مع التأكيد على ضرورة التحلي بقدر أكبر من المرونة والاعتراف بالآخر، بعالم التعددية المهجَّر والمجيَّر كثيراً.
ربما كان الفيسبوك عفريت القمقم بالنسبة للذين لم يتعودوا سوى سماع صوتهم، ومن ينحني لهم في عبودية مستحدثة، ولعله كذلك! ولكن العفريت هنا ليس أكثر من واحد أس ألف، أعني قاطرة جماهير تتحرك صوب الجهات كافة، حيثما وجد قيّم استبدادي لعفريت القمقم.
إنه تأصيل الموعود لغير المعهود في وجود مفرَّغ من معناه كثيراً، الفيسبوك فيما يبرزه بلغته إلزام بقانون تاريخي لم يعمَل به كما يجب دون تفريق أساساً.
إنه التبشير الأكثر قابلية للنظر في نصوصه، رغم كل ما يمكن التحفظ عليه، بما أن التنوع في القدرات كما هو حال التعدد في الألسن والمقامات، من العلامات الفارقة لهذا المارد الجليل: الفيسبوك.
ربما لست مؤهلاً لأن أستقر دفعة واحدة في مجتمع الفيسبوك هذا، نظراً لأن اغتراباً يحول دون ذلك، أي ثقافة لا تستوعَب بسهولة، ولكن الذي يعدنا به، يحفّز على رفع القبعة له، وليتمكن كل منا من تقديم الأمثل لمجتمعه.
إن الحديث عن التغيير وتحت أسماء ومسميات مختلفة، ومن منظور علم الاجتماع لا ينبغي أن يدعنا لحظة واحدة متشنجين أو مستفزين، بدعوى تعرض المجتمع لهجمات فيروسية، من منظور سياسي وفكري وعقيدي.
إنه التحول الانعطافي الكوني الأخاذ، وحدتُه المنتظرة، والتحدي المطلوب لإنسان موعود مع قواه الخفية، والذين يسعون إلى ذم هذا الموعود به، يعبّرون عن هشاشة حضورهم، عن خواء ما هم عليه عملياً.






