حسين جلبيما يدور في سوريا في كثير من المستويات يتعدى الجنون بمراحل، إنه خليط من مجموعة من الأمراض النفسية المزمنة، التي ساهم الكبت الطويل في إخفائها تحت السطح، و لكنها وجدت لنفسها مع الربيع العربي منافذ للتعبير، ليس على شكل نسائم رقيقة تميز الربيع، بل على شكل أعاصير من الهلوسة.
حالة غش أخرى بارزة تنتمي هي الأخرى إلى هذا النوع من الجنون، كانت حديث العالم خلال الأيام القليلة الماضية، حيث ظهر وليد المعلم في مؤتمر (صحّافي) و هو يشكو ـ و يا ريته لم يفعل، و ترك الفضائيات في غفلةٍ من أمرها ـ يشكو قطع الفضائيات المغرضة للصور و الأدلة الدامغة التي بثها، هذه الصور التي خدمت كل شئ إلا رواية النظام، ثم جرت لها كالعادة عمليات ترقيع غير مجدية، ليست كالأولى، أي قبل و بعد، و لكنه ـ أي الترقيع ـ لم يخفي ترهلات المعلم، بل سلط المزيد من الأضواء على ما حاول إخفائه.
لكن هذه الهستريا التي تصبغ سلوك النظام لا تقف عند الجبهة التي تخصه فحسب، فعلى الطرف المقابل تصدر كذلك كثيرٌ من الإشارات و الحركات و الكلمات الغير سوية أيضاً، و هي تشبه حالة إنسان كان يعيش وسط العواصف، كان يرى و يسمع و لكنه لا يتكلم، و فجأة إنطلق لسانه، فراح نتيجة تراكم الأحداث التي مرت عليه من جهة، و نتيجة إحساسه بضغط الوقت من جهةٍ أخرى، راح يحاول أن يقول كل شئ دفعةً واحدة، فيقذف كل ما تجمع في داخله من خيرٍ و شر في ذات الوقت، بشكلٍ حاد يفتقر أحياناً إلى الحد الأدنى من المعقولية و المنطق، و هو ما تزخر ببعضه صفحات النت.
إن ما يجري في سوريا هذه الأيام يقدم النظام بأوضح صوره، و يختصر رحلته الطويلة خلال العقود الماضية، فهو إذ يقتل الشعب السوري بدمٍ باردٍ بيد، ينظم بيده الأخرى مهزلة يسميها إنتخابات، ليست معروفة النتائج فحسب، بل هي أبعد ما تكون عن مفاهيم الإنتخاب، و أقرب إلى جريمة الإغتصاب المستمرة التي بدأها النظام بجريمة الإستيلاء على الحكم، و هي كهذه و ما بينهما، يمارسها جميعاً على رؤوس الأشهاد، لدرجة يتخيل معها المرء أنها أصبحت بحكم العادة، مشروعة.
لقد بلغت أمراض النظام المستعصية درجةً يصعب العلاج منها، فشرعنته للقتل لا يفيد معه إصلاح التشريعات و المحاسبة على أساس كمية الدم المُراق، و المواضع التي أريق فيها، لا يفيد معه سوى الشطب على هذه السلوكيات الهمجية من خلال إستئصال الفكر الذي يقف خلفها، و جلب المجرم إلى العدالة التي أجمعت عليها البشرية من خلال الإتفاقات و العهود الدولية لحقوق الإنسان، و هي التي ستقرر في المحصلة إرسال المجرم إلى ما وراء القضبان، أو إلى المصحات النفسية.






