حوار من أجل الحوار وتفريق الصفوف

  خليل كالو

 كل الخوف أن يكون مثل من يذهب إلى حوار في هذه الظروف دون اتفاق وطني شامل والمقاربة بمسئولية عالية والتجرد من الموروث الثقافي والفكري الذي سبب الأزمة التي يمر بها البلاد وحين لا يكون الحوار على أسس ورؤية سليمة لرسم شكل ونمط الحياة السياسية لسوريا الجديدة لتخطي الأزمة يرضى به الجميع دون استثناء ودون إقصاء أي مكون أو سياسة وثقافة وفكر من المشاركة في بناء هذا الوطن كمثل من ذهب يطلب قرنين فرجع بلا أذنين…..


ونكرر الحكاية التي رويناها سابقاً كرد على سؤال ورد من موقع welatê me الموقر حيث يحكى أن حمارا عجوزا ضاقت به الدنيا وكره الحياة التي يعيشها بسبب ما كان يعانيه من ظلم وقلة اهتمام واشتداد زحمة السخرة عليه طوال فصل الصيف والخريف ومن ثم تركه في الشتاء يتعرض للبرد الجوع والذئاب.

فكر الأستاذ حمار ملياً فتوصل بينه وبين نفسه إلى حل مقبول  لوضع حد لمعاناته وضعفه والدفاع عن نفسه كما يفعله بعض من الحيوانات وقرر ترك مهنة التحمير وامتهان أخرى إذا امتلك أساليب دفاع جديدة وأخيرا استقر به الرأي أن يقلد الثور في دفاعه ويكون مثله له قرون ينطح بها من الأمام والرفس  كحمار من الخلف (حمار مدرع) وقد فرح بفكرته الحمارية الإفلاطونية .

فسأل الجوار مما حوله من الحيوانات عن طبيب مشهور يركب له قرنين فأشار إليه ببعض من الحيوانات التي تمتهن هذه المهنة ولها القدرة على تلبية طلبه ولكنه لم يعثر على  مبتغاه سوى قول البغل بأن الذئب أبو عسال قد غير من مهنة الإغارة والسلب منذ مدة من الزمن بعد أن أحجمته تظاهرات الحيوانات الأخرى في السنة الماضية ضده لتغيير سلوكه الغازي حتى يقبلوا به للعيش بينهم والآن قد فتح عيادة بيطرية للكفارة عن ذنوبه إشارة منه لصدق النوايا فأحتار الأستاذ حمار في  بداية الأمر ولكنه لم يكن له من حيلة سواه وبعد أن أطمئن قليلا لسلوك الذئب شد العزم للذهاب إلى عيادته لتركيب قرنين له وفي الطريق إليه صار الحمار يمدح بذاته ويتذكر أيام الصعاب حينما كان في بيادر القرية في إحدى السنوات وهجوم الذئب عليه من الخلف ورفسه بحوافره الخلفية فكسر من أنيابه حينها ونجا وهكذا صار يلملم نفسه للتغلب على الخوف الذي ينتابه حتى لا يظهر بمظهر الجبان أمام أبو عسال وكذلك لم يتم الحديث بين حمار وذئب منذ الأزل سوى أنهم  كانوا أعداء وتوارث الطرفان تلك الثقافة ” الابن عن الأب إلى يومنا هذا” ولكن ما الذي جرى وكيف أصبحت الأمور على غير طبيعتها فهذا من فلتات الزمان ومسخرته .

   عندما وصل الحمار المسكين إلى باب العيادة الذي كان مفتوحاً فرآه الذئب قبل أن يطرق الباب بحافره فأذن له الدخول وقام الذئب من مكانه مرحبا به بكلمات مليئة بالود وحسن الاستقبال فارتاح الحمار قليلا وسيطر على نفسه بعد أن أزيل عنه التوتر وظل واقفاً ينتظر رد فعل أبو العسال .

فقال له : ما الذي أصابك وما هو شكواك يا أبا صابر فرد عليه الأستاذ أبا صابر الحمار قائلا أود أن تركب لي قرنين كي أدافع بهما إذا ما هاجمني عدو من الأمام وأن لي حافرين قويين أرفس بهما من الخلف وبهذا يكون قد أمنت على نفسي بقية عمري وفي أيام الصعاب , فرحب به الذئب المحتال بالفكرة وطمئنه وشجعه وقال له حسنا هذا العمل من أبسط العمليات الجراحية في عيادتنا ولكن في البداية يحب قطع آذانك الطويلة أولا ومن ثم تركيب قرنين مكانهما لأن آذانك الطويلة سوف تعيق إجراء العملية , وفي هذا الجو الذئبي ارتبك السيد حمار وتمتم ومن ثم وافق على مضض ربما عن خوف , فقام الذئب بقطع أذنيه ولفهما بشاش وقال له عليك أن تراجعنا بعد شهر حيث الآن لا يوجد قرون جاهزة وسوف تنتظر إلى أن أصطاد غزالا له قرون وأركبها لك فخرج الحمار المسكين من عيادة الذئب بلا أذنين وأصبح مسخرة للحيوانات فيما بعد .
    
ملخص الكلام هو أن ألا يكون النتائج والتبعات التي سوف تظهر لاحقاً على من يذهب للحوار كما جرى مع أبو صابر وألا يفكر السياسي الكردي كالتاجر بالرغم من أن نتائج تفكيرهما أيضاً فيها ربح وخسارة ولكن السياسي لا يعتمد في حراكه على منطق وقوانين التجارة والفكر الحسابي وعقد الصفقات المشبوهة غير النزيهة والتآمر ضد المصالح العامة بل هو عنصر فعال في جدلية تحقيق الأهداف وهدم القديم وبناء الجديد والاستعداد والتنظيم والحراك المستمر ومعرفة الخصم وقواه وإتقان فن الممكن بعد توفير أسباب الحركة كما أن ممارسة السياسة ليست مزاح شخصي وتهور في العمل أو هروب من المسؤولية بل هي حكمة وتضحية ومسؤولية واقتناص الفرص والبحث في توفير الأسباب والتهيئة وبناء الشخصية والمجتمعات وتأمين متطلباتها الأساسية .

لذا كان قصور وفشل السياسة الكردية المتمثل بتنظيماتها المتعددة ذات بعد الشخصي وليس الفكري دائما رهن المزاج والحسابات الخاطئة .

فكل ما يقلق الناس في هذه الأيام أيضاً وخاصة النخب الواعية والشباب منهم هو أن تنجر السياسة الكردية ” إذا وجدت ” إلى مواقع ليست في صالح الكرد وتسير في مضامير بعيدة عن مداراتها لا تخدم في النهاية مصالح الكرد في هذه الظروف الحساسة وتولد الشقاق والتشتت فيما تشهده البلاد من تطورات دراماتيكية ومستجدات يومية على صعيد الحراك الجماهيري وما تنادي به السلطة من إصلاحات و نية للحوار على حسب زعمها علماً أن الجميع لا يعرف طبيعة هذا الحوار سوى حوار الرصاص في ساحات الوطن والمزيد من الضحايا في الشارع السوري لذا يكون أفضل المواقف هو عدم الخروج من صف المعارضة السورية باعتبار سياسات الكرد هي بطبيعتها ومنذ وجودها معارضة لسلوك وسياسات النظام على مر العقود  ولا يجوز مطلقا الحوار بشكل منفرد إلا ضمن برنامج ورؤية واضحة تتفق عليه المعارضة والشارع السوري حيث الكرد ليسوا وحدهم في هذا الوطن وإلا سيكونون منبوذين ومحل نقد شديد وسوف يتهمون بصفات لا نود ذكرها حيث لا يعرف أحد تبعات الإقدام على مثل هكذا عمل مستقبلا.

5/6/2011

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…