الثورة … وقانون الأحزاب والعفو العام

هيبت بافي حلبجة

لقد بات من المؤكد إن السلطات السورية لاتفقه الأمور السياسية ولا القضايا القانونية ولا كيفية أصدار مراسيم العفو أو مشروع قانون الأحزاب .

ففي الآونة الأخيرة أصدرت الرئاسة السورية ما سمي بالعفو العام عن الجرائم المرتكبة قبل تاريخ 31 – 5 – 2011 و قبل تاريخ 20 – 6 – 2011 .

وكذلك أصدرت مشروع قانون تنظيم الأحزاب في الجمهورية السورية .

إن مجرد ألقاء نظرة نقدية قانونية أولية لنصوص هذين المشروعين تتضح لنا النقاط التالية .

أولاُ : فيما يخص مسألة العفو العام .
 النقطة الأولى : إن السلطة السورية تعفو عن ذاتها مسبقاً في الجرائم التي أقترفتها قبل هذه التواريخ .

بل كيلا تتهمنا السلطة بالغباء القانوني ومن ثم بالبلادة السياسية نؤكد إن هذا العفو ما كان ليصدر و ليس إلا لتتحاشى المساءلة القانونية عن جرائمها البشعة ، تلك الجرائم التي لن تخضع للتقادم ولالفرضيات هذا المرسوم الذي نعتبره من الزاوية القانونية باطل لأنه في شكله منقوض ، وفي مضمونه – بعض الزوايا – لايستقيم مع حيثيات الجرائم التي لم يبت الحكم فيها بعد ، فعن من عفت السلطة السورية في هذه الجرائم ؟ .

النقطة الثانية : إن فقه القانون الجنائي يؤكد إن لا يحق لأحد – حتى رئيس الدولة – العفو عن حدث الجريمة أو عن الجريمة ذاتها ، إنما يمكن له دستورياُ العفو – كتنازل عن الحق العام  – عن مدة العقوبة أو مدة المحكومية أو عقوبة الأعتقال شريطة عدم المساس بالجرائم التي أساسها الأدعاء الشخصي إلا إذا تم التنازل من قبل المدعي فيها أو من قبل الجهة التي تمثله في حال غيابه أو وفاته أو عجزه أو الحجر عليه أو فقدانه للأهلية القانونية – كالعته والجنون – .

النقطة الثالثة : إن مرسوم العفو يصدر في 31 – 5 – 2011 ويؤكد بمنح العفو عن الجرائم المرتكبة حتى هذا التاريخ ، فهذا يعني أن هنالك جرائم لازالت قيد التحقيق أوإن الجاني غير معروف حتى اللحظة ، فلاأدري كيف يمكن لرئيس الجمهورية العفو عن جريمة لم يبت الحكم فيها بعد ، فهو يعفو عن من ؟ فهل هو يعفو عن نفسه وعن أزلامه وعن زبانيته عن الجرائم الحالية !! النقطة الرابعة : إذا ما أستثنينا الإعتقالات السياسية فهل العفو عن الجرائم الأخرى الحقيقية الجسدية ، الإقتصادية ، المتعلقة بالتهريب ، جرائم النصب وألأحتيال ، وجرائم الشيك  ، عفواُ ينصب في مجال ما يطلبه المتظاهرون من الحريات والحقوق العامة ؟!! أم أن هؤلاء ، مقترفو تلك الجرائم ، معظمهم من السلطة نفسها ، وأغلبهم هم بالأساس من موالاة السلطة  !! ثم وهذه هي القضية التي نستهجنها ، أليس العفو بهذا الصورة الواضحة المكشوفة هو عفو لرجال السلطة في الوقت الحالي ، الآن !! النقطة الخامسة : يعفو المرسوم في الفقرة  – هاء – من المادة الأولى عن كامل العقوبة بالنسبة للجريمة المنصوص عليها في القانون رقم 49 لعام 1980 المتعلق بتنظيم الأخوان المسلمين .

هذه الصيغة تحتوي على تناقضين ، الأول : بما إنه عفواُ عن كامل العقوبة ودون قيد أوشرط فهذا يعني إنه كان من الأجدر ألغاء المادة القانونية رقم 49 نفسها لأن مضمونها أمسى فارغاُ لاقيمة له .

الثاني : من الجانب الآخر ، إن الذين تم العفو عنهم فعلياُ هم لايزالون ينتمون إلى جماعة الأخوان المسلمين ، فهذا يعني أنه يحق للسلطات السورية أعتقالهم من جديد وهم على عتبة أبواب السجن  لأنهم لايزالون يزاولون  تلك الجريمة المستمرة  – طبعاُ حسب المادة 49 – .

ثانياُ فيما يخص مشروع قانون تنظيم الأحزاب ، نود أن نؤكد إن القصد من قانون الأحزاب هو بالضبط شروط الدولة في مسألة الأعتراف القانوني بحزب معين ، وإذا ما نوقضت إحدى تلك الشروط فإن الحزب يصبح محظوراُ لكن بعد صدور قرار الحظر من قبل المحكمة المختصة .

النقطة الأولى : وردت في المقدمة العبارة التالية – وتعد التعددية السياسية أهم أسس النظام الديمقراطي – وهذا يعني وعلى ضوء شهادة السلطة السورية نفسها إن النظام السوري كان نظاماُ لاديمقراطياُ لاسيما من خلال المادة الثامنة الشهيرة – قيادة الدولة والشعب من قبل حزب واحد .

النقطة الثانية : إن جميع الفقرات التي وردت تحت البند – ثالثاُ – كدور الأحزاب ومهامها في …  تنشيط العمل السياسي … تطوير الوعي العام … تكوين وأستنتاج الأفكار الجديدة … تعميق التواصل بين جماهير المواطنين والمؤسسات الدستورية … لاتمت إلى أصل الموضوع بصلة ، فهي نقاط محببة ومحبذة ليس إلا ، تماماُ مثلما يشترط القاضي  في عقد الزواج ، بعد أتمام الشروط القانونية للزواج – السن ، الرضى ، الأهلية القانونية أنتفاء العته والجنون ، وشروط مجلس التعاقد – إنجاب الأطفال ، أو أمتلاك منزل على البحر فهذا الشرط ولو أنه مرام ومراد إلا انه خارج شروط صحة عقد الزواج .

النقطة الثالثة :لقد أتى تحت البند – رابعاُ – التأكيد على حق السوريين في تشكيل الأحزاب والأنتساب إليها والعمل في صفوفها ولايجوز أن يجمع المواطن بين عضوية حزبين في آن واحد .

إن الجمع ما بين عضوية حزبين ليس من شأن الدولة ولايمت البت فيها إلى الشروط القانونية للأعتراف بالأحزاب ، إنما ذلك أمر حزبي خاص تتم معالجته من خلال شروط العضوية لنظام الحزب نفسه .

النقطة الرابعة : لقد أتى تحت نفس البند وفي فقرة – و – لايجوز أن يقوم الحزب على أساس ديني أو مذهبي أو طائفي أو جنسي أو مناطقي ولابد أن يكون مفتوحاُ لكل المواطنين .

هذه في الحقيقة رؤيا جديدة لإنها تعني إن الشعب العربي أو الشعب الكردي أو الشعب الآشوري السرياني الكلداني لايحق له أنشاء أحزاب خاصة بهم على صعيد التسمية ، ومن هنا تحديداُ لابد من تغيير أسم حزب البعث نفسه ، أي تغدو تسميته بدون كلمة العربي .

النقطة الخامسة : كما أتى تحت نفس البند وفي فقرة – د – الألتزام بمبدأ التعددية السياسية في الفكر والرأي والتنظيم .

إن هذا الأمر على الرغم من أهميته المطلقة ليس له علاقة بفحوى الموضوع الأساسي ، لإنه يلج في التركيبة البنيوية للحزب ، فثمة أحزاب حتى لو دونت ذلك آلاف المرات ، مثل حزب البعث ،  فهي خارج حدود الألتزام بالتعددية ، لذلك من الأفضل رؤية التعددية في نوعية الحزب ومنطلقاتها الفكرية  سواء كانت مؤدلجة أم غير مؤدلجة ، وهذا ما يفضي بنا إلى الأستنباط إن حزب البعث لايحتاج فقط إلى تغيير أسمه وإنما ألتغى وجوده لأنه مخالف للشروط القانونية في هذا المشروع .

النقطة السادسة : كما أتى تحت البند – خامساُ – وفي الفقرة – 2 – فيما يخص مؤسس الحزب أن يتحلى بالسمعة الجيدة والأخلاق الحميدة وغير محكوم بجناية أو جنحة .

هذه العبارة ( يتحلى بالسمعة الطيبة والأخلاق الحميدة ) نسبية وغير دقيقة قانونياُ ، إنما كان من المفروض الإكتفاء بعبارة – أن يكون غير محكوم بجناية أو جنحة – النقطة السابعة : وكما أتى تحت البند – سابعاُ – وفي الفقرة – 2 – لايسمح للحزب بقبول الإعانات والتبرعات من جهات غير سورية أو من جهات سورية خارج الوطن .

إن هذا البند لايمكن أن يكون دقيقاً وصائباً طالما إن الحزب نفسه ملتزم بالمواد الدستورية وبالقانون وكذلك بالنصوص الأخرى من هذا المشروع ذاته .

ثم ما هو وجه الضرر أو الإشكالية  في هذه المسألة ؟ !! طالما إن التعددية قد أقرت ، وإن التداول السلمي للسلطة قد أقر حسب نص هذا المشروع نفسه ، ذلك النص الذي يؤكد حينما يتحدث عن تعريف الحزب – يعمل بالوسائل السياسية والديمقراطية السلمية ….

وعبر الأنتخابات العامة لتداول السلطة والمشاركة في مسؤوليات الحكم – ……

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عدنان بدرالدين إذا كانت الحلقة الأولى قد بيّنت كيف تبدأ فرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة» بين نقد ماركس لبراءة الديمقراطية الشكلية ودفاع آرندت عن السياسة بوصفها فعلًا لا يجوز اختزاله في الإدارة، وإذا كانت الحلقة الثانية قد أضافت، مع فيبر ونيتشه، عنصرين حاسمين هما الوعي بأن السياسة بلا ضمانات، والشك في أن الحياد لغة بريئة حقًا، فإن هذه الحلقة الثالثة تصل…

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…

نورالدين عمر بناءً على معرفتي بخفايا حزب العمال الكردستاني على الأقل أكثر من السيد عبدالباسط سيدا، أجد من الضروري توضيح وتصحيح بعض النقاط التي وردت في مقاله “حزب العمال في استراتيجية النظام الإيراني”، تفنيداً لبعض المغالطات التاريخية والسياسية. أولاً: جدلية العلاقة مع طهران.. تكتيك أم تبعية؟ كافة القوى الكردية المؤثرة، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، تمتلك…