المندسون في سوريا

  سيامند إبراهيم
 

في خضم هذه الثورة السورية العظيمة بتنا نسمع كلمات جديدة لم تكن متداولة في الماضي القريب, ولاشك أن البعض منها أطلقت من قبل القادة العرب مثل (مندس, جرذان, جراثيم) والبعض الآخر أطلقت من قبل الشعب على الأعمال القبيحة التي مارسها هؤلاء في المدن والبلدات التي تقوم فيها التظاهرات؟! ومن هذه المفردات (شبيحة, بلطجية… وغيرها), وثمة تعابير أخرى غريبة في وقع جرسها الموسيقى وهي مبهمة بعض الشيء بالنسبة لنا ك(زنقة, زنقة..) لكن الشيء الجميل في هذا الموضوع أنها أصبحت مستخدمة من قبل الجمهور, وأضفوا عليها رونقاً جديداً من البلاغة التي زادوا عليها طولاً وعرضاً, و ألقاً سحرياً وأصبحت من شعارات هذه التظاهرات.
 كلمات اندست من أفواه قائليها؟! وأخذت مسارها نحو الشعبوية الجميلة, وباتت كلمات وشعارات محببة على أفواه الأطفال في كل مكان.

ومن المؤكد أن الخيال الجامح لمؤسسي هذه الكلمات قد أنعشت هذا الحدث الجبار الذي سماه المحللين السياسيين في العالم: “ثورة الربيع العربي” فمن هذه التسمية يجب عليهم الاعتراف بأننا كنا نعيش في قحط كامل ومستديم في عموم حياتنا التي أسبغت عليها السبات الطويل من ترهيب كل شفيف حركة تحاول أن تعمل حراك اهتزازي بسيط لتكسر أعواد الثقاب التي لاحقاً أشعلت المنطقة؟! ويا محلاه من زلزال هزت عروش وجعلتها في ذكريات الماضي تقتات على حلم إمبراطورية القهر العسكرتارية التي أصابتها الدهشة وهي تطلق على مناوئيها بالجرذان, الجراثيم, المندسين وهذه الكلمة هي الأخف وطئاً من جهة ضرب المتظاهرين ينعوت تقلل من قيمتهم مجتمعياً ومعرفياً وسياسياً؟ إنها كلمات هدفها الإساءة ثم الإساءة التي تجعلهم ينزون في خانة الخارجين على القانون؟! وأي قانون هذا الذي وضعه العسكر التي نفثت اللهيب الأسود في نسغ حياة المجتمع المفكك أصلاً نتيجة حتًِهم المتواصل طوال عقود في شتى الاتجاهات؟!  ولا شك أنها جمهوريات الخوف والقهر التي باتت تخترع كلمات تحاول أن تقزم هذا الحراك السياسي السلمي الذي كسر حاجز الخوف والرهبة المقيتة التي كانت مسلطة على رقابنا؟! ولا تنفك عنها بألف عقدة بحريةٍ ومربوطة بسلاسل المرسى الصدئ .

   

في أيام الجمع إنه مشهد حميمي تتلاحم الأيادي متشابكة, وتقترب القلوب بشفافية أكثر, وتصل حناجر المتظاهرين إلى عنان السماء مرددين نشيد الحرية والديمقراطية.

إنه يوم التعطش لرائحة الحرية والانعتاق من هذه القيود التسلطية؟! حناجر تهتف ضد الفساد المستشري حتى نقي العظام في هرم السلطة.
كل هذه المفردات من قاموس الغرائب التي دخلت قلوب الملايين بدئت معي في السجن, نعم في سجن القامشلي كنا ثلة من الشباب الكردي والعربي المتوجسين خوفاً من البوح بالحقيقة؟! نعم توقعنا زوال عروش عربية, أثبتت فشلها ونهبت من خيرات البلاد والعباد ما شاء الله؟! وقد أكدنا على أن شرارة هذه الاحتجاجات حسب لغة السلطة؟ والمظاهرات بحسب لغة المنتفضين في الشارع؟  ستصيب سوريا, لكن ثمة البعض الآخر لم تصدق عقولهم أن حاجز الخوف سوف ينكسر فقالوا لا نحن في “جمهورية الجبروت والقوة” وكل شيء تحت السيطرة؟ وقال بعض الخبثاء الشرارة قادمة عبر الأمواج البشرية التي ستعبر عبر فضاء الفيس بوك العنكبوتي الجميل, شرارة ذات منظر قوس قزحي كبير يتماوج في كل الجهات من الجنوب إلى الغرب, إلى الشمال, وبالأخص الشمال الشرقي الأشد عذاب لاقوه في جمهورية الخوف التي انفجر فيها البركان الذي من الصعوبة بمكان أن يتوقف لهيب هذه الحمم البشرية وخاصة كلما ازداد القتل والقمع في الجمع وغيرها.
فيا أولي الألباب: تفكروا جيداً في هذه العبارات التي دخلت قاموس الحداثة السياسية من جديد؟   وأخيراً نقول:” المندس الذي يدخل خلسة إلى مكان ما ويأخذ ما لغيره؟! وإن من ينهب قوت الشعب فهو مندس وفاسد؟
ومن يوسم شعبه بهذه المفردات فهو واهن؟
ومن يتملق للسلطة فهو مندس؟
 
والذي ينزل للمظاهرات التي تنادي بالحرية والديمقراطية فهو مندس وطني يعلو ولا يعلى عليه؟
ومن المثقفين الذين كانوا نائمين في أذن الثور, وعرفوا أن الحال لن يبقى كما هو في السابق؟ فتسابقوا في تدبيج المقالات وإبداء الامتعاض من الذي يحدث في سوريا؟! وهو رفع عتب؟! وآخر يفتخر بحصوله على جائزة الحزب المنهار مذيلاً مقالته في نقد الأحزاب ويرشدهم إلى جادة الصواب فهو مندس على الرغم من شهادته العالية؟! وثمة آخرين سيخرجون غداً ويأخذون المقاعد الوثيرة الأولى وهم أيضاً مندسين؟!
ومن المندس ننحو نحو المناضل الكبير غيفارا حيث يقول:”
الثورة يقوم بها الشرفاء, ويأكل ثمارها الحقراء” ما أجمل البلاغة من هذا العظيم الرمز الخالد.
 
قامشلو 7-7-2011
 
 siyamendbrahim55@gmail.com

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

قامشلو – ولاتي مه : 6 نيسان 2026 برزت إلى العلن مؤشرات على وجود خلافات داخل قيادة حزب يكيتي الكردستاني – سوريا، عقب صدور بيانين متتاليين ومنسوبين إلى اللجنة المركزية للحزب، تضمّنا مواقف متباينة بشأن الأوضاع التنظيمية، ما أثار تساؤلات حول احتمال حدوث انقسام داخلي في الحزب. ففي 5 نيسان، أصدرت اللجنة المركزية بياناً عقب اجتماعها الاعتيادي، تناول جملة من…

شادي حاجي أزمة السياسة الكردية لم تعد عرضاً جانبياً ، بل صيرورة بنيوية . لم يعد السؤال مجرد اعتراف بالقضية ، بل قدرة من يدّعون تمثيل الشعب الكردي على الارتقاء بها . الواقع واضح : أحزاب متنافرة، برامج غامضة، وصراعات شخصية تحلّ محل المشروع القومي والوطني العام . الفرصة التاريخية التي جاءت مع الحرب السورية ذهبت أدراج الرياح بسبب…

خالد حسو وأنا أترقّب هذه العودة، يملأني أملٌ صامت بأن يأتي يومٌ أعود فيه أنا أيضًا، بعد فراقٍ طال حتى أثقلته السنوات، وامتدّ لأكثر من أربعة عقود من الزمن. أربعون عامًا وما يزيد، لم تكن مجرد غيابٍ عابر، بل مسافةً كاملة بين الإنسان وذاكرته، بين الروح ومكانها الأول، وبين القلب وما ظلّ ينتمي إليه رغم كل شيء. كان هذا البعد…

سمكو عمر لعلي يقولون إنّ بعض الظنّ إثم، غير أنّ ما نشهده اليوم يدفع المرء إلى التأمّل العميق، بل وإلى طرح الأسئلة التي طالما حاولنا تجاهلها أو تأجيلها. لقد قلناها مراراً وتكراراً: إنّ الانشقاقات التي عصفت بصفوف الأحزاب الكوردية لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل كانت – في كثير من مراحلها – صنيعة أنظمةٍ معادية، وفي مقدّمتها نظام حزب البعث…