المعارضة السورية والذهنية البعثية

عبدالباقي حسيني

من خلال متابعتي لمؤتمر الإنقاذ الوطني المنعقد في مدينة “اسطنبول”، وبعض مكالماتي مع الأصدقاء الكرد الذين حضروا المؤتمر، يبدو أن ذهنية حزب البعث وأدبياتها مازالت هي المسيطرة على بعض الأشخاص الذين يقودون المعارضة السورية في الوقت الحالي.

هذه الذهنية التي عانينا منها نحن السوريون من كرد وعرب لعقود طويلة، ذهنية الإقصاء و نكران الغير، ذهنية الحزب الواحد والقومية الواحدة، ذهنية حصر الوطن في زاوية محصورة، دون الانفتاح على الآخر، ذهنية إلغاء كل مكونات الشعب السوري وصهره في مكون واحد.
الآن، الشعب بكل فئاته ينطلق في شوارع سوريا، ويقدم الغالي والنفيس، لكي يتخلص من هذه الذهنية وأصحابها، يتخلص من فكر، واستبداد حزب البعث ورموزه الشوفينيين، الذين غرسوا هذه الإيديولوجية الإقصائية في البلد، نرى في الوقت ذاته أن هناك من المعارضة مازال متأثراً بهذا الفكر ويحاول إعادته للحياة بطريقة ثانية، وهذا ما حدث في مؤتمر اسطنبول تحديداً.


أما الأسباب المعلنة لانسحاب الأكراد من مؤتمر الإنقاذ الوطني: كما ذكر الناشطون الكرد السياسيون أن هناك أكثر من سبب لانسحابهم من المؤتمر، وقد لخصوها بهذه النقاط:
1- لقد تم استبدال الشعار المرفوع في المؤتمر “الجمهورية السورية”، بعد عدة ساعات إلى “الجمهورية العربية السورية”، وكأن بالقائمين على المؤتمر يريدون أن يقولوا: أن سوريا هي للعرب فقط، دون مكونات الشعب السوري الآخرين من الكرد، الكلدوآشوريين، التركمان و الشركس وغيرهم من الأطياف السورية، مع أن تصرفات النظام الحالي وبالرغم من تشدقه بالعروبة، توحي أن لا علاقة له بالعروبة ولا بالدول العربية.

أمر آخر، معظم الدول العربية لا تحمل كلمة “العربية” في تسمية إسمها، فلماذا نحن السوريين نتمسك بها، وللعلم أن إسم سورية قبل مجيء البعث كانت ” الجمهورية السورية”.
2- تم تبديل البيان الختامي للمؤتمر والمتفق عليه بالتنسيق مع الداخل، بمشروع بيان ثاني تماشياً مع الرؤية الإقصائية وإنكار الآخر.
3- لم يفسح المجال لأي كردي في اللجنة التحضيرية للإطلاع على حيثيات جدول أعمال المؤتمر، ولجنة صياغة البيان الختامي الجديد وباقي وثائق المؤتمر.
4- تم خرق جدول أعمال المؤتمر ومنع الكرد من إلقاء كلماتهم، بل اكتفوا بالكلمة المنقولة عن طريق الإنترنيت، للسياسي الكردي مشعل تمو.
5- رفض الكرد تشكيل حكومة الظل في هذا المؤتمر، كون المؤتمر لا يعبر عن جميع أطياف المعارضة السورية.


بالإضافة لهذه الأسباب، ثمة أشياء غير معلنة لعملية إقصاء الكرد من المشاركة الفعلية وتتلخص بجملة من الأحداث:
– الهجوم الذي تم في الآونة الأخيرة في تركيا من قبل حزب العمال الكردستاني على مقر للجيش التركي في منطقة “دياربكر” وقتل 13 جنديا تركياً، ترك انعكاسات كبيرة على الرأي العام التركي وموقفهم من الكرد.


– انتقم حزب العدالة والتنمية التركي من الأكراد في هذا المؤتمر، بعد أن طلب من الجماعة المقربة منهم “جماعة إخوان المسلمين” السوري، بعدم منح الأكراد المجال للتعبير عن مطالبهم.
– سيطرة “جماعة الإخوان” على مفاتيح المؤتمر و جلب أولادهم وأحفادهم إليه، للحصول على أكبر قدر ممكن من الكعكة السورية المستقبلية.

على الرغم من أن أحد المعدين للمؤتمر أشتكى من الميزانية المخصصة للمقاعد، حيث قال أن المقاعد المخصصة كانت 200 مقعد و قد حضر المؤتمر أكثر من 350 شخص.

السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا أحضر الإسلاميين شبان وشابات صغاراً، في العمر (لا يتجاوز أعمارهم 12 إلى 15 سنة)، وبالمقابل تم إقصاء الكثير من الكتاب، والمثقفين، المتابعين، للشأن العام السوري، ولهم نشاط مميز في الحراك السياسي؟.


صورة المعارضة التي رأيناها في اسطنبول بإستثناء البعض، تعطي للشارع السوري إنطباعاً غير سليماً، بشكله و رؤاه، وهنا لسوف يتردد كثيراً من الشعب، الذي مازال يقف في الوسط بين النظام والمعارضة، ليحسم أمره، مع من سيقف في النهاية؟.

الشعب السوري كما أتصوره هو شعب مدني، وذو أغلبية علمانية، مع وجود بعض العوائل المحافظة، ولكن هذه العوائل لم تكن في يوم من الأيام متزمتة، بل كانوا محافظين معتدلين.
تجربة جماعة الإخوان في مصر، وسلوكياتهم، في الثورة المصرية، وبعدها، تدل على أنهم فهموا الشارع المصري، فهم لم يظهروا بشكل مفاجىء وكثيف لكي لا يرعبوا الشارع من المستقبل، ومن التفكير في شكل النظام وحرية الإنسان في التعبير إذا ماسيطروا على مقاليد الحكم لاحقاً.

فهل يتعظ جماعة الإخوان السوريين من هذا الأمر؟ علماً كنت قد نوهت في وقت سابق إلى أن “جماعة الإخوان”، يمكنها اختيار إسم آخر لها مثل ” الحزب الديمقراطي الإسلامي ” على غرار ” حزب الديمقراطي المسيحي” في النرويج، لكي يتسنى لشعب سورية عموماً، نسيان الحقبة الماضية من العنف والقتل المتبادل بين “جماعة إخوان المسلمين” والنظام السوري وقتذاك.
ولكي أكون منصفاً اتجاه المعارضة الحاضرة في اسطنبول، أقول: أولاً، لا عتب كثير عليكم، كوننا نحن السوريون لم نعتد بعد “العملية الديمقراطية”، فمازلنا تحت تأثير الذهنية البعثية و تربيتها.

ثانياً، لقد “كحلتم” البيان الختامي للمؤتمر وفي أكثر من نقطة، بالإتيان على سيرة جميع المكونات السورية، وخاصة حق الكرد، وتثبيته في الدستور السوري، تصحيحا عن ما جرى في المؤتمر.

أوسلو 17.07.2011

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

إبراهيم اليوسف لايزال الملف الكردي في سوريا يواجه تحديات كبيرة، وهو يمر بمرحلة سياسية دقيقة، رغم إن اللقاءات باتت تزداد بينما تظل النتائج الملموسة، دون مستوى الطموح، ما يفسح المجال لأعداء الكرد للعب أدوارهم، إما تحت وطأة الحقد والعصبية من قبل بعض الشخصيات المنفلتة، من جهة، وأو نتيجة تحريض جهات إقليمية لا تريد الخير للسوريين، بدعوى العداء للكرد، كي يواصلوا…

مسلم شيخ حسن- كوباني وسط زمن مثقل بالأزمات التي تلبد سماء سوريا وذاكرة جماعية أنهكتها فصول متعاقبة من الألم والدمار ، باتت الحاجة إلى الاستقرار والأمن ضرورة وجودية، لا خياراً سياسياً. فبعد أكثر من عقد من القتل والتهجير لم يعد السوريون يطلبون المستحيل بل يتوقون إلى حياة آمنة تصان فيها كرامة الإنسان ويتوقف فيها إراقة الدماء الأبرياء في جميع…

صلاح بدرالدين في تعريف الحركة الكردية السورية : نشأت بقيام الدولة السورية بعد سلخها من الإمبراطورية العثمانية ، وتقسيمات اتفاقية سايكس – بيكو ، والقرارات الأخرى الصادرة من مؤتمر السلام بباريس ، ومؤتمري سيفر ولوزان ، والاتفاقيات الفرنسية التركية حول الحدود ، مضمونها تحرري في الخلاص من الاضطهاد والتميز والسياسات الاستثنائية ، حواملها جميع طبقات الشعب الكردي وفئاته الاجتماعية المتضررة…

عبدالكريم حاجي يؤكد المجلس الوطني الكردي أن لقائه مع مسؤولي دمشق يأتي في إطار خطوة سياسية ضرورية ومشروعة، تنسجم مع مسؤوليته الوطنية والقومية، وتهدف إلى استعادة القرار الكردي المستقل، وفتح مسار جاد لحل دائم وعادل يضمن الحقوق القومية والسياسية لشعبنا الكردي، بعيدًا عن المشاريع الفاشلة، وسلطات الأمر الواقع، والصفقات المؤقتة التي لم تنتج سوى المزيد من الأزمات والانقسامات. إن المنطقة…