صورة فوتوغرافية لمدينة أحبها مشعل التمو

  إبراهيم اليوسف

منذ لحظة سماعي النبأ الصاعق، باغتيال المناضل مشعل التمو، تداعت إلى مخيلتي صور كثيرة عن أمكنة، وأشخاص، ورؤى، لا تنفك عن صورة صديقي أبي فارس الذي لم أره –بسبب سفري- منذ تلك اللحظة الأليمة، وهو وراء القضبان- عن بؤرة المخيلة- حيث غصت قاعة المحكمة في دمشق بأحبته عرباً وكرداً وسريان وأرمن وشاشان وشركس، مسلمين ومسيحيين وإيزيديين، ممن جاءوا من أربع جهات خريطة سوريا، ليسمعوا إفادته، وهو أحد قلة من المناضلين في العالم، ممن قالوا كلمتهم وراء القضبان، كما دأبوا على قولها، وهم في حياتهم النضالية، خارج السجن، مما يجعل من إفادات التمو صالحة لتكون بين أيدي شبابنا الذين انتبه إليهم مشعل التمو،
 وكان يتحدث عنهم أينما حل، وكأنه يتحدث عن اكتشاف جديد، لم ننتبه إليه جميعاً، وللإنصاف-فإن معشوق الخزنوي- بدوره سعى للتوجه إليهم، من خلال علاقته مع “حركة شباب الانتفاضة” الذين كانوا النواة الأولى، للمشاركة الشبابية الكردية الأولى في سوريا.

أجل،إن أية مقاربة، لروح مشعل التمو ستظهر شغفه بمفردات كثيرة، كانت تشكل منظومة اهتماماته الشخصية، ولعل هيامه بمدينة اسمها”قامشلو” استأثرها، من دون كل العناوين التي عرفها، وكنت شاهداً في تعرفه على بعضها، عندما زرنا أوربا معاًً، بعيد انتفاضة12 آذار المباركة، نشرح فيها للعالم أبعاد الجريمة التي ارتكبها الاستبداد بحق الكردي، وهو موثق في أقراص مدمجة، من قبل أهلنا الذين استضافونا -آنذاك- حيث كنا نتبارى في الحديث عن السر الذي يكمن وراء جذبنا من قبل مدينتنا الساحرة -هذه- وكان يحدثني عن اتخاذه لها فضاء لبعض  سردياته، كما كانت مسرحاً لجزء ثمين من نضاله، فاختارها عنواناً لروحه، وها هي تغدو –الآن- عنواناً أخيراً، يحتضن قامته العالية، وهل أعلى من قامة من دعا إلى إسقاط النظام، في الوقت الذي كان كثيرون من المعارضين يواربون رؤاهم، وهم يتناولون هذه النقطة-تحديداً- وهل أقوى من أنه قال ذات مرة لأحدهم في سياق الرد عليه: بشار الأسد ليس رئيس، فأنا لم أنتخبه…!.
 منذ اندلاع الثورة السورية المباركة، تعرف فضاء مدينة “قامشلو” على صورة مشعل التمو، التي رفعها شباب الثورة،دليلاً على مكانة الرجل في قلوب ملايين الكرد، كما مكانته في قلوب ال24 مليون سوري، ماعدا الوالغين في الدم الوطني، وهو ما جعل أبطال الثورة السورية، يسمون تظاهرات اليوم ب” سبت الوفاء لمشعل التمو”، حيث استطاع دم هذا المناضل الذي سيجسر الطريق إلى النصر، أن يلفت أنظار العالم-مرة أخرى- إلى القضية الكردية في سوريا، ليكون دمه الذي رآه العالم كله وهي يسيل على” بلاط” إحدى غرف “مشفى فرمان” الذي زرناه معاً، كمشاف أخرى، ونحن نتابع الوضع الصحي  لجرحى 12 آذار ومن ثم جرحى 5-6-2005 و 2-11-2007 و20-3-2008، وكان –على الدوام- يرفع الروح المعنوية لدى ذوي هؤلاء وأبناء شعبنا، بعكس من ينصرف إلى التيئيس والتبيئس، ولقد كان المشفى، نفسه، فضاء إحدى الكلمات الأكثر دوياً التي ألقاها مشعلي في إحدى جمعات قامشلو.
هذه المدينة،تخرج الآن، عن بكرة مناضليها وثوارها، شيباَ وشباباً، نساء ورجالاً، وأطفالاً، إلى الشوارع، غاضبين، ثائرين، حيث الدمعة في العيون، والألم يترجم صرخة تنطلق من الحنجرة: مشعل..مشعل… مشعل…، هاتفين برحيل النظام، وهم ينطلقون من جامع”قاسمو” جامع الشهداء، في اتجاه “مقبرة الشهداء”، كي تستعيد بذلك ما فعلته من قبل، أثناء تشييع جنازات شهداء آذار، والشهيد الخزنوي، أو الشهداء المحمدين الثلاثة، عشية نوروز2008
هذه المدينة الأكثر وفاء-وهي صورة مختصرة لسوريا كاملة، تبادل -الآن- مشعلنا حباً بحب، وانطفأت عينا مشعل على فضائها، وملأ هواءها رئته حتى آخر نبضة، توجه رسالة إلى قتلته السفلة، مؤكدة أن دماء ابنها البار، لن تروح هدراً، بل إنها ستسهم مع دماء أخوته الثوار السوريين في رسم خريطة سوريا، كما كان يحلم أبو فارس، وهؤلاء، أن تكون عليه، وإن اسم مشعل سيعرفه “كتاب الثورة السورية”،حيث ستسقط أسماء المجرمين الدخيلة التي اغتصبت التاريخ والجغرافيا في آن واحد.


سبت الوفاء لمشعل التمو8-10-2011

  

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…

عبدالكريم حاجي بافي بيشو   انتهت المرحلة الأولى بفشلٍ ذريع بكل المقاييس، دفع ثمنه آلاف من شبابنا، وتشرّدت بسببه آلاف العوائل الكردية. واليوم، ومع بداية المرحلة الثانية، يبرز السؤال المصيري بقوة: هل ستبقى الحركة الكردية، ومعها الشعب الكردي بكل فئاته، أسرى نهجٍ دخيل وغريب عن جسد شعبنا؟ وهل سيستمر الصمت وكتم الصوت بحجة أن الظروف غير مناسبة ؟ أم آن…