ألاعيب النظام السوري وجنونه

عبدالباقي حسيني

منذ تعليق عضوية النظام السوري من الجامعة العربية، بدأ هذا النظام يفقد صوابه ويتخبط هنا وهناك، تارة يصرح اعلامه ان الجامعة العربية لاتعنيهم، وقراراتها لا تساوي الحبر الذي كتب بها، وتارة يستنجد الدول العربية ويطلب الإجتماع بهم لحل أزمته.

فمن ردود أفعاله حيال تجميد عضويته كان التالي؛ إلغاء مشاركة الوفد الرياضي السوري من حضور العاب القوى الذي سينعقد في قطر.

الهجوم على السفارات العربية والغربية، وخاصة التي ترى فيهم “اعداء” للنظام السوري، كالقطر والسعودية وتركيا وفرنسا.

اجبار المئات من الناس (طلاب مدارس، موظفين والعساكر بلباس مدني) للخروج إلى الشارع، على انهم يعترضون على قرار الجامعة العربية.
 تسخير كافة وسائل اعلامه للهجوم على الدول العربية، بالمقابل اظهار نفسه على انه “موحد الأمة العربية”، و انه “قلب العروبة النابض”، وان الدول العربية الأخرى تطبق اجندات خارجية بحقه، الى آخره من هذا الخزعبلات التي لاتسمن ولاتغني، فالنظام يريد من جميع العالم ان تصدق كذبته، على انه يحارب “العصابات المسلحة”، ولا يواجه ثورة شعبية، وان أي كلام غير هذا يعتبر مؤامرة على سورية ونظامه الممانع والمقاوم.

المؤتمرات الصحفية في الأونة الأخيرة لوزير خارجية النظام، وليد المعلم، تكاد تكون مسخرة بكل معنى الكلمة، فهذه المؤتمرات تدل على ضحالة السياسة والحكمة والتعقل عند النظام السوري وأزلامه، فكل ما قاله “المعلم”، كان تناقض في تناقض، فمرة هو ضد كل القرارات العربية التي اتخذت بحق نظامه، وتارة يقول اننا على أتم الاستعداد للحوار وتطبيق المبادرة العربية، ففي مؤتمره الأول بدأ على المعلم، كأنه يرغي ويزبد، ولا يعرف ماذا يقول، فمجموع كلامه كان في قمة النقيض من أفعال نظامه على الأرض، فبعد اعتذاره للدول التي انتهكت سفاراتها في دمشق، قام نظام المعلم بعدها بيوم واحد فقط بالهجوم على سفارة المملكة الأردنية الهاشمية، كون ملك الأردن صرح في لقاء تلفزيوني؛” لو كان مكان بشار الأسد لتنحى”.

فمجرد الكلام عن تنحي أو ترحيل بشار الأسد على لسان أي كان، سيكون العواقب من قبل شبيحة النظام ومخابراته فظيعة على القائل، وهذا ماحدث بالفعل لأعضاء سفارة الأردن، والهجوم على سفارة المغرب، كون الأخيرة احتضنت اللقاء بين الدول العربية وتركيا لدراسة المرحلة الإنتقالية لسورية.

هستيريا النظام لم يتوقف عند هذا الحد، ففي قناته التلفزيونية (الدنيا)، استجلب بعض الأبواق لكي يشتموا وينتهكوا أعراض المعارضة السورية، صباحاً مساءً، وبعدها يقولون ان الأزمة في سورية لا تحل الا بالحوار مع المعارضة.


المعلم في مؤتمره الثاني، عرض ألاعيب النظام بشكل غير مباشر، في كيفية التحايل على الجامعة العربية، والإستفادة من عامل الوقت.

فحديثه عن قبول نظامه للمبادرة العربية لم تقنع أحد، عندما قال، “نحن في سورية لا نعتبر ان المدة الزمنية لتطبيق هذه المبادرة هي الأساس وانما المضمون”.

الكل يعرف ان النظام وافق على المبادرة العربية شفهيا، لكن ممارساته على الأرض عكست حقيقة ألاعيبه وحيله.

بعدها تحدث المعلم عن البروتوكول الخاص بإرسال البعثة إلى سورية لتقصي الحقائق، والتي قبلها النظام مبدئياً، ثم رفض 18 بندا منه، وقد برر المعلم هذا الرفض على ان نصوص البرتوكول فيها تعدي على السيادة الوطنية، وبنودها كانت استفزازية.

وعقب حديثه على ما قاله رئيس الجامعة السيد نبيل العربي عن دوره في البروتوكول، على انه لايملك الصلاحيات في قبول تعديلات النظام السورية، بل يمكنه الرد على بعض الإستفسارت من الجانب السوري.

هنا تمسك المعلم بهذه العبارة، كالغارق الذي يتمسك بالقشة لكي ينجوا بنفسه، والإستفادة من عامل الوقت، بالرغم من ان الجامعة العربية كانت قد رفضت طلبات النظام السوري فيمايتعلق بالبروتوكول، كون طلباتهم كانت تمس جوهر القضية، لا بل تفريغها من المضمون.


تصريحات المعلم في نفس المؤتمر كان فيها نوع من التردد والحيرة، عندما صرح؛ ” ان الحوار الوطني يشكل القاعدة الأساسية لحل الأزمة”، ونوع من التحدي عندما قال؛” أننا مستعدون للقتال حتى النهاية، و هذا الخد تعودُ على هذا اللطم”.


يستشف من هذا كله، على ان النظام السوري ليس بنيته حل الأزمة بشكل عقلاني ولا يريد ان يجنب البلاد من كوارث أكيدة و تدخلا عسكريا خارجياً، بل يدفع بالبلاد إلى أتون حرب أهلية، كما هو قام إلى حد ما في مدينة حمص، و يتشبث بالحكم مهما تكن التكلفة، فهو يطبق قاعدة شمشون ” علي وعلى أعدائي”.

ولم يتوقف عن هذا الحد، بل بدأ في الآونة الأخيرة بتصدير أزمته إلى الدول العربية والإسلامية، فوقوفه وراء العصابة التي ارادت تفجير جسر الملك فهد وبعض المنشآت الأخرى في قطر، ووقوفه أيضاً مع بعض أعضاء البرلمان الكويتي ( أعضاء من الطائفة الشيعية) واقتحام مبنى مجلس الأمة الكويتي، وهجومه الأخير ضد الحافلة التركية التي كانت تحمل على متنها حجاج بيت الله الحرام، ماهي الا ضرب من الجنون، ويدل على تخبط النظام وهسيترياه، وذلك لخلط الأوراق في المنطقة، والتخفيف من أزمته ولو بشكل مؤقت.

وفي نفس السياق، هناك من يشير أيضاً على وجود أصابع النظام السوري في الأحداث الأخيرة في مصر، كون هذا النظام بدأ يستقبل وفود مصرية من العروبيين الناصريين، وإظهارهم على وسائل إعلامه، على انهم يمثلون الشارع المصري، بالمقابل تنفخ هذه الوفود وشخصياتها في النظام السوري ورئيسه و ينافقون في تمجيده ودوره “الممانع والمقاوم” في المنطقة.


إلى ماذا يسعى هذا النظام من تصرفاته؟! يحاول هذا النظام ان يوهم العالم المتحضر بقصصه الواهية للهروب من إستحقاقات الشعب السوري الثائر والطامح إلى الحرية والديمقراطية، فهو يكذب ويراوغ لكي ينفذ بجلده، لكن هيهات، فالحقائق الموجودة على الأرض، كالماء الذي يكذب الغطاس، فالخداع والمراوغة والتسويف لم يجدي هذا النظام نفعاً، وآلته العسكرية التي تقمع الشعب الأعزل سوف لن تنهي من أزمته، بل ستكون مصيبة كبيرة عليه في المستقبل، على النظام ان يفهم، ان بقاءه في السلطة باتت من رابع المستحيلات، النظام يجب ان يتغير وكذلك الرئيس، كون هذا النظام منذ اربعين عاماً وحتى الآن لم يقدم شيء لهذا الشعب، والرئيس أيضا لن يحقق أي إنجاز، غير الوعود الكاذبة، وها هو الآن غارق في دماء السوريين مع عصابته المجرمة، عليه ان يفهم ان التاريخ في سورية لن يعود قبل 15 آذار 2011، الشعب قال كلمته، وقام بثورته وقدم التضحيات ومازال، وكسر جدار الخوف وتحدى الظلم والقهر.
الشعب السوري بكافة أطيافه ثار لكي يحقق دولة ديمقراطية حقيقة في البلاد، يتساوى فيها كل الناس بالحقوق والواجبات، فقد ولى زمن الحزب الواحد والرئيس المستبد والبرلمان المعين، ترى هل سيعي النظام هذه الحقيقة أم انه سيمضي في جنونه وألاعيبه القديمة؟.


أوسلو 22.11.2011
zanin88@hotmail.com

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…