الانتفاضة – السلطة – اعادة بناء الدولة

صلاح بدرالدين

  اذا كان البعض مازال يجهل ماذا يريده الشعب السوري وبعد خمسة أشهر من الحراك والمواجهات والشهداء والمعتقلين والمهجرين فهو مصيبة فهدف الانتفاضة الثورية لايخطئه العقل السوي المتمثل بشعارها المرفوع كل جمعة وكل ليلة وكل لحظة وهو اسقاط النظام كمرحلة أولية مفتاحية للتغيير ويعني ذلك أنه لن يترك الوضع – سائبا – بطبيعة الحال أو ترك البلد ليصبح ” حارة كل من ايدو الو ” بل بتنطح ممثلي التنسيقيات المحلية وشركائهم وحلفائهم بايجاد آليات لعملية التسليم والاستلام وهم أهل لذلك
 فالذي يستطيع انجاز عملية اسقاط قلاع الاستبداد الحصينة بالصدور العارية والتضحية والفداء قادر على ادارة البلاد في الظروف الثورية الاستثنائية الانتقالية أيضا لحين انبثاق المؤسسات الاشتراعية والسلطات التنفيذية والادارية عبر صناديق الاقتراع وارادة الغالبية الشعبية ومن ثم التفرغ الكامل وبالتعاون والتكافل مع سائر أطراف ومكونات وفئات وشخصيات الطيف الوطني لتفكيك سلطة الاستبداد واعادة بناء الدولة الديموقراطية التعددية الحديثة التي قد تأخذ وقتا بحسب ظروف الحالة المحيطة وثقل  تركة الاستبداد مستزيدين من دروس تجربتي تونس ومصر في مسائل الجيش والسلطة والادارة  .

  اذا كان البعض لم يعلم حتى الآن وبعد خمسة أشهر من عمر الانتفاضة الوطنية بأن للتنسيقيات المحلية في سائر أنحاء سوريا وقياداتها الميدانية التي انبثقت من صلب الحركة الشعبية برامجها ومشاريعها المستقبلية المطروحة بطريقتها الخاصة فهو مصيبة ألا تدل اللافتات والشعارات والهتافات والأغاني الثورية المستحدثة وحتى رسوم الكاريكاتير شيئا لهذا البعض ولانقول الوثائق المكتوبة والمنشورة بعضها ( قامت الكاتبة والمناضلة الوطنية مريم نجمة بتوثيقها ونشرها في موقع الحوار المتمدن مشكورة )  ألا تعني البيانات والنداءات الصادرة من كل تنسيقية في كل مدينة وبلدة قبل البدء كل مرة بالاحتجاج والتظاهر وما تحتويه من مواقف ورؤا من أجل المستقبل شيئا لذلك البعض الذي قد لايواكبها لأسبابه الخاصة وضيق وقته , هل استخدام حجة التقليل من قدرات المنتفضين في الداخل ذريعة وسبيل لاستحضارمن فشل في الامتحان للمرة الألف اخوانا كانوا أم أحزابا أخرى  .


       اذا كان البعض وبعد خمسة أشهر مازال يعيش حالة – الصدمة – وغير قادر على قراءة الواقع السوري الجديد والتميز بين مرحلتين لفعل الانتفاضة الأولى : اسقاط النظام والثانية : اعادة بناء الدولة فهو مصيبة ففي الأولى ليس مطلوبا بالحاح من الشباب أن يقضوا الوقت بكامله لصياغة أسس وتفاصيل وقواعد النظام السياسي القادم أو انجاز مشروع دستور سوريا الجديد أو برنامج لحل القضية الكردية لأنهم محكومون بمهام وأولويات أخرى فذلك من مهام الاختصاصيين الذين يملكون الوقت الكافي وبامكانهم استنباط المبادىء الأساسية من ثقافة وخطاب وتراث الانتفاضة والمتظاهرين المتراكم والفارض نفسه على الشارع والحياة العامة يرددها حتى الأطفال في جميع المناطق دون تمييز من درعا الى القامشلي .
      اذا كان البعض وبمرور خمسة أشهر لم يحالفه الحظ في فهم واستيعاب تطورات الساحة الوطنية السورية والاصطفافات والاستقطابات الجديدة في الحركة السياسية بفعل وتأثير الانتفاضة فهو مصيبة فقبل حدوثها كان هناك أسماء أحزاب : البعث الحاكم وأحزاب ” الجبهة الوطنية التقدمية ” وأحزاب موالية وأحزاب نصف معارضة بحيث لاتزعج السلطة وافتقد السورييون ومنذ تسلط حزب البعث أية تقاليد ديموقراطية في العمل السياسي الحر ولم تنشأ أحزاب أو تتوسع أو تتطور في أجواء الحرية النسبية حتى وبالتالي لم تتمكن من بناء مؤسساتها التنظيمية والقيادية والمالية والثقافية حتى نعول عليها الآن لاجترار المعجزات وبعض مضي خمسة أشهر من عمر الانتفاضة التي أشعلها الشباب وقادوها واستشهدوا في سبيل توسيع صفوفها بمعزل عن أي حزب أو جماعة سياسية التي لم تتضمن برامجها من قريب أو بعيد مسألة التغيير الجذري واسقاط النظام وبعد مرور كل هذا الوقت مازالت غالبية الأحزاب السورية اما مناهضة للانتفاضة أو في طور – التفلسف – حول مديح رأس النظام وتفضيل خيار التحاور معه والعمل على وقف الحراك أو اجهاضه أو زرع العراقيل أمامه .
     اذا كان البعض وبعد خمسة أشهر لم يلحظ أن تطورا عميقا قد حصل في موازين القوى الداخلية وأن الشرعية الوطنية قد انتقلت الى شباب الانتفاضة فهو مصيبة فالمؤسسة المعارضة الوحيدة في داخل الوطن هي ” تنسيقيات الثورة المحلية ” التي تتميز بالضبط التنظيمي المقبول وسرية آليات العمل والقرار وشفافية الموقف تجاه النظام والتعامل مع الجماهير الشعبية فقياداتها الميدانية غير المعروفة الا في مواقعها التي ظهرت من معمعة المواجهة تختلف عن قيادات الأحزاب الكلاسيكية وليس بينها – أمين عام وسكرتير ومكتب أو لجنة سياسية – وتشارك في كل التظاهرات وتتعامل مع الجمهور بل وتشاركه درب الشهادة ان عدم وعي المرحلة وخصائصها ومميزاتها ومتطلباتها يقود هذا البعض الى الخطأ الجسيم عندما يغامر باعادة عقارب الساعة الى الوراء ويدعو الى اعادة الروح في هياكل تجاوزها الزمن واعتبار الأحزاب الكلاسيكية التي تقف في مواجهة الانتفاضة مؤهلة لاقرار البديل الوطني الديموقراطي بزعم أنها ” مؤسساتية ! “وهنا نتساءل ألم يكن – حزب العمل الشيوعي – الرابطة سابقا – من أنشط الجماعات الحزبية السورية وأكثرها تنظيما وأرفعها مستوى في الفكر والثقافة والمعرفة ؟ وأين هو الآن من الانتفاضة والمرحلة الراهنة ؟ .
   اذا كان البعض لم يفهم بعد خمسة أشهر طبيعة وخصوصية الحالة السورية الراهنة فهو مصيبة ففي ظل انعدام المناخ الديموقراطي الملائم منذ مايقارب النصف قرن في بلادنا وغياب الحركة السياسية المنظمة بأحزاب وحركات حسب الأصول المعروفة وماتعرض له الوطنييون السورييون بكل مكوناتهم القومية والسياسية وبمئات الآلاف الى القمع والاستشهاد والتعذيب والملاحقة والهجرة بدأت النخب الوطنية المعارضة في الداخل من مثقفين وسياسيين جراء ضغوطات السلطة وفشل الأحزاب في القيام بقيادة الجماهير نحو الثورة باالانكفاء وانتهاج الاستقلالية والعمل الفردي بقدر ماتسمح به الظروف وتشتت فريق كبير من المناضلين السوريين في أصقاع الدنيا بحثا عن الأمان أولا ومن ثم الاسهام الفردي بقضاياهم الوطنية كل ذلك دفع باتجاه موجة ما أطلق عليه بالربيع العربي واندلاع الانتفاضات في عدة بلدان ومنها سوريا بصورد فردية وعفوية وليس عبر خطط وبرامج جماعية ” مؤسساتية ” مدروسة الا أن استقطبت الجماهير وفئات الشباب ومختلف الأعمار من مختلف الطبقات الاجتماعية وخاصة المسحوقة منها والطبقة الوسطى لذلك لايمكن اغفال الطابع الفردي – العفوي بل دور الفرد البارز والمؤثر ( ولدينا أمثلة لاتحصى في هذا المجال ) في انتفاضتنا السورية داخل البلاد وكذلك في نشاطات الخارج وهذا حسب رؤيتي أحدى ميزات انتفاضات القرن الواحد والعشرين المختلفة عن الثورات التقليدية ابان مرحلة نهوض حركات التحرر الوطني وازدهارالانقلابات العسكرية .

  اذا كان البعض لم يلمس مخاطر – الاسلام السياسي – على مصائر الشعوب وبعد خمسة أشهر من عمر الانتفاضة ونصف قرن من الاختبارالوطني وتجربتين انتفاضيتين ظافرتين في مرحلتهما الأولى في تونس ومصر وكل التجارب في العالم الاسلامي فهذه مصيبة فكلنا تابعنا مسار – حركة الاخوان المسلمين – السورية أقله منذ الثمانينات وحتى الآن ومواقفها من النظام والمعارضة والمحيط الأوسع من ايران الى حزب الله الى تركيا وما تخلق من اشكالات ومخاوف لدى حوالي نصف الشعب السوري من كرد وأثنيات وديانات ومذاهب ومن موقع راهن ضمن الأجندة الأجنبية وخاصة تركيا التي وبالرغم من وجود سياسات متعارضة معها  ومآخذ على سلوكها وقضايا شائكة معها الا أننا نعتبرها دولة جارة مهمة لها مصالحها ولنا أيضا مصالحنا قد تتوافق قليلا في بعض المنعطفات ولكن تتناقض أكثر في معظم الأوقات ولسنا هنا في سياق مجاملة – الاخوان – واطلاق عبارات من دون مضمون كما يفعله البعض لدواعي خاصة بل يجب مصارحتهم أمام مصير وطن ينزف : من مصلحة سوريا الجديدة وشعبها الصامد عدم خلط الدين والمذهب بالسياسة وعدم الاصرار باظهار البديل الوطني المنشود بثوب الاسلام السياسي والاستقواء بالجار التركي لتحقيقه فبيننا صناديق الاقتراع مابعد الاستبداد ولكل فئة وجماعة ومكون الحق في طرح مايناسبه وحينها سيقول الشعب كلمته وهي العليا .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…