انتصار الدم الليبي

إبراهيم محمود

إلى الأصدقاء الليبيين من الكتاب: محمد الأصفر- رزان المغربي- آمال العيادي
 

قبل سنة ونيّف قليلاً، وعلى هامش معرض الكتاب العربي في دمشق، بتاريخ7-8/2010، انعقدت ندوة ثقافية حول الأدب الليبي، وكان نصيبي هو أن أكتب عن الرواية الليبية، فكان موضوعي” تشابك النهايات ووصفها في الرواية: الرواية الليبية نموذجاً”، وقد سلطتُ الضوء في الوقت المتاح لي على العالم الذي بُنيت عليه الرواية الليبية، وتلمست في نهاياتها أكثر من بعد كابوسي، يشير إلى أن ثمة أزمة وهي في طريقها إلى الانفجار، كما كانت قراءتي لرواية” متاهة الجسد” لخليفة حسين مصطفى، و” نساء الريح” لرزان المغربي، و” قسَّامي” لآمال فرح العيادي، وعدة روايات لمحمد الأصفر، وغيرها، منطلقاً من شعور بما يترتب على كتابة رواية تعيش هاجس حياة بالمعنى الأوسع للكلمة.

وللرواية حيواتها ورهاناتها التي بها تصارع من أجل الأفضل والأمثل.
وهكذا جاءت كلمتي التي كتبتها على غلاف رواية آمال العيادي” قسامي” حيث يجري الحديث الأدبي بتنوع سروده عن (مجتمع ممزق من الداخل، تكون المرأة علامة التمزق الكبرى فيه)، ولعلي فيما تقدمت به، عشت هذا الأمل بالتحول، بقدر ما جاورت عالم الأمل وكيف يمكن له أن يكون، وهو ما تحقق فجر22آب 2011، وكأن النهايات التي توقفتُ عندها كانت تعيش مخاضات ولادة هذا الانتصار للدم الليبي، كأن المواقع التي سمَّتها جملة روايات اخترتُها للقراءة، تداخلت، كما أنها توحدت على الأرض مع إحداثيات عرَّفتنا بالجغرافيا الليبية: مدناً وقرى، طرقاً وجسوراً، ومواقع مختلفة، حدوداً وتضاريس أوضحتْها المواجهات البطولية من قبل أفراد الشعب الليبي: الثوار، مع طغمة القذافي، وقد تحققت نبوءة” إن للباطل جولة”، وللحق- طبعاًَ- صولة تلو صولة.
كنت أعايش ليبيا وثراء الدم الليبي الذي لم يصبح ماء، إنما انتصار الحياة المنتظرة، بقدر ما صار للدم الليبي رمزه الكيميائي الخاص، وقانون تحوله من دم إلى إرادة حياة، وقاعدة العمل بموجب بصيرته الفذة والماضية في تحقيق ما كان يصبو إليه، وكأني بالذين اُستنبتوا في ثرى الرواية أو تحركوا في جنباتها، بلغوا سدرة المنتهى: ذلك الأمل الذي كان قسمة الثوار، من الذين حملوا أسماء مختلفة في رواية تسمّي الحياة وتحتفي بها.
كان ثمة الأخضر المختلف، الأخضر المستوي والسوي في سياسة عمَّمت أخضرها الثوري الخاص، لا سواد طاغية استأثر بجغرافيا كاملة، وشعب كامل، وسماء كاملة تجاوزت نطاق الحدود الليبية في شروره وغروره.
لعله الأخضر الليبي جرَّاء بلاغة الدم الليبي ورائحته الزكية الخاصة، هو الذي حمل العائد التاريخي: انتصار الليبي على تاريخ أحادي الجانب، والتوحد مع جغرافيا، كما هي الأم الكبرى في روايات” إبراهيم الكوني”، وهو عمَّق فينا دفَق الأمل أكثر، كما عزز فينا حب الحياة خارج محمية القوارض للرجل الأوحد وحاشية الرجل الأوحد، والذين يريدون تاريخاً على مقاسهم، وجغرافيا لا تتشكل أو تتهجى إلا بإيقاع تشبيحي لبقاء الأوحد.
بين السوري والليبي، كما الحال بين السوري والتونسي أو المصري، هو ما بين فصول السنة وتداعياتها من تعاضد ومن وشائج قربى في عشق الحياة باختلاف الألسن والمهج، والدم المراق شاهد عيان على ذلك.
من السّلْمية إلى الحِلمية فالعِلمية، فالتعددية، يتحرك سهم الدم في كل اتجاه، ويضيق الخناق على إرادة الرجل الذي لا رجل سواه، في أرض تسمي ملايينها، وتستبقي ملايينها بقدر ما تبقى بملايينها باختلاف لغاتهم.
لا بلاغة تعلو فوق بلاغة دم مراق غدراً، ولا سلطة قانون نافذة أكثر من سلطة إرادات تتوحد حرصاً على جغرافيا كاملة منهوبة ومنكوبة، موعودة بالانتصار، كما هي إرادة الحياة ذاتها، وما كفاه ووفاه الدم الليبي يمنح هذا المسلك الجليل في مسيرة” السلمية” هذا المدد الجليل.

شكراً للدم الليبي، لقد نقَّحت فينا حبَّ الحياة أكثر!

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

قامشلو – ولاتي مه : 6 نيسان 2026 برزت إلى العلن مؤشرات على وجود خلافات داخل قيادة حزب يكيتي الكردستاني – سوريا، عقب صدور بيانين متتاليين ومنسوبين إلى اللجنة المركزية للحزب، تضمّنا مواقف متباينة بشأن الأوضاع التنظيمية، ما أثار تساؤلات حول احتمال حدوث انقسام داخلي في الحزب. ففي 5 نيسان، أصدرت اللجنة المركزية بياناً عقب اجتماعها الاعتيادي، تناول جملة من…

شادي حاجي أزمة السياسة الكردية لم تعد عرضاً جانبياً ، بل صيرورة بنيوية . لم يعد السؤال مجرد اعتراف بالقضية ، بل قدرة من يدّعون تمثيل الشعب الكردي على الارتقاء بها . الواقع واضح : أحزاب متنافرة، برامج غامضة، وصراعات شخصية تحلّ محل المشروع القومي والوطني العام . الفرصة التاريخية التي جاءت مع الحرب السورية ذهبت أدراج الرياح بسبب…

خالد حسو وأنا أترقّب هذه العودة، يملأني أملٌ صامت بأن يأتي يومٌ أعود فيه أنا أيضًا، بعد فراقٍ طال حتى أثقلته السنوات، وامتدّ لأكثر من أربعة عقود من الزمن. أربعون عامًا وما يزيد، لم تكن مجرد غيابٍ عابر، بل مسافةً كاملة بين الإنسان وذاكرته، بين الروح ومكانها الأول، وبين القلب وما ظلّ ينتمي إليه رغم كل شيء. كان هذا البعد…

سمكو عمر لعلي يقولون إنّ بعض الظنّ إثم، غير أنّ ما نشهده اليوم يدفع المرء إلى التأمّل العميق، بل وإلى طرح الأسئلة التي طالما حاولنا تجاهلها أو تأجيلها. لقد قلناها مراراً وتكراراً: إنّ الانشقاقات التي عصفت بصفوف الأحزاب الكوردية لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل كانت – في كثير من مراحلها – صنيعة أنظمةٍ معادية، وفي مقدّمتها نظام حزب البعث…