كل ذلك، كان دافعاً لأن تجمع الإرادة الدولية حول قرار فرض الحصار على العراق، واعتبار مناطق الشمال والجنوب محظورة على آلة النظام العسكرية، وعليه؛ فقد بقي العراق أسير ذاته ومنقسم بين فئات تقدم الولاء للسلطة، وفئات خارجة عليها، منها ما عبرت عن تمردها في صورة الانتفاضة الشعبانية، ومنها، إقليم كردستان، الذي أخذ يشق طريقه نحو رسم ملامح المستقبل، وذلك عبر تشكيله لكيانه السياسي وتحرره من سلطة المركز، هذا الإقليم الذي قام على موروث نضالي، وجاء تتويجاً لتضحيات أبناء الشعب الكردي، وما قدمه من قرابين وتعرض له من مجازر، استفاد في بنائه لمؤسساته وترسيخه لمتطلبات السلطة من عدة نقاط، منها تعطش الشارع الكردي إلى تنفس الحرية، والحلم الذي كان يراوده في أن يمارس ذاته بعيداً عن المقابر الجماعية والجينوسايد، وكذلك عن سياسات التعريب والتمييز، ومنها قرار الأمم المتحدة، النفط مقابل الغذاء، والذي ساهم الجزء المخصص لإقليم كردستان ( 13%) في إعمار البعض مما دمرتها حملات البطش بحق الكرد من الأنفال وغيرها، والمساهمة في تقديم الخدمات اللازمة للمواطنين، إضافةً إلى الدعم الذي لاقتها التجربة الكردية عبر السياسة المرنة التي انتهجتها قيادة الإقليم، في استقطاب الرأي العام والتعاطف مع قضية الشعب الكردي، حيث بقي الإقليم بحكومته وبرلمانه ومؤسساته الدستورية يمارس ذاته كإقليم خارج عن هيمنة السلطة المركزية، وتجربة شبه مستقلة في الحالة العراقية، إلى أن كان سقوط النظام في بغداد ..
ومع السقوط، طرأت تغيرات على المشهد السياسي في العراق، فدخلت أمريكا، عبر مشروعها الداعي، وفق الدعاية الأمريكية، إلى تغيير البنى السياسية والأنظمة الشمولية، على أسس الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، في مواجهة ثقافة تأصلت في ذهنية المجتمع، فهي وإن كانت قد تخلصت من رموز النظام، إلا أنها لم تستطع القضاء على مورثات ثقافة الدم والإقصاء، فسرعان ما واجهت ممارسات البعض ممن كانوا محسوبين على الخط المعارض، أو الذين قفزوا إلى الواجهة بعد السقوط، وأرادوا أن يكون لهم الدور في المستقبل السياسي للعراق، وفق ذهنية تأبى القبول بالآخر، أو التشارك في البناء السياسي للنموذج الجديد، الذي كان يؤمل منه أن يشكل تجربة في الوسط الإقليمي، وذلك اعتماداً على أجندات إقليمية كانت تشد من أزر قوى التطرف والإرهاب، وتقف إلى جانبها بغية الحد من انتشار التجربة العراقية، وقتلها في مهدها، إضافة إلى سعي هذه الأجندات الحفاظ على توازاناتها ومصالحها الإستراتيجية في العراق المستقبلي، عبر أدواتها وامتداداتها في الداخل العراقي، مستفيدة في ذلك من تخبطات القوى السياسية العراقية وممارسات الحاكم المدني بريمر وقوانينه، التي لم تكن تلامس نفسية الإنسان العراقي، إضافةً إلى النزعة الطائفية التي تبلورت وأخذت مساراتها في السلطة والمجتمع، كل ذلك جعل من العراق ساحة مفتوحة أمام قوى الشر والإرهاب، سواء الداخلية منها أو الخارجية، وحولته إلى بركة من الدماء، حيث العمليات الانتحارية والمنظمات الإرهابية وفرق الموت والمليشيات، والتي بمجملها دخلت في مواجهات – بالنيابية – تستهدف عراق التجربة وعراق المستقبل، الذي أراد دستوره المجمع عليه، أن يكون عراق التعددية والفيدرالية ..
لقد ساهم الجانب الكردي، ومنذ اللحظات الأولى لسقوط النظام، في دفع التجربة العراقية نحو إيجاد مرتكزات الدولة العصرية، والبحث عن البديل الديمقراطي الذي يؤمن بمبدأ التشارك والتعايش السلمي بين مجمل المكونات الوطنية، انطلاقاً من القرارات والمفاهيم التي لخصتها مؤتمري لندن وصلاح الدين بين قوى المعارضة العراقية، والتي أجمعت على رؤية سياسية مشتركة للعراق المستقبلي، ومن استحقاقات التغيير الذي لا بد وأن يجسد الحالة العراقية، وفق تركيبتها السياسية والبشرية والجغرافية، مع أن الشعور العام لدى الإنسان الكردي كان يعيش حالة إحباط من تلك الشعارات التي كانت تعمل عليها التعبيرات السياسية الكردية، والتي تتمحور حول مفهوم التآخي بين الكرد والعرب، وذلك لما لاقاه من ويلات ومجازر دون أن يرى ترجمة لتلك الشعارات في الجانب العربي، كون الكرد كانوا مع شعار التآخي في مراحل القوة والضعف، أما الجانب الآخر فكان يحتمي بمثل تلك الشعارات في مراحل الضعف والركود ويتنصل منها حين تكون كفة القوة إلى جانبهم ..






