تدخل الدب الروسي في المياه الدافئة خلط وإرباك

م.رشيد

 

     تحت
غطاء  شرعي وهوطلب الرئيس السوري من روسيا التدخل عسكرياً لحماية النظام ومؤسسات
الدولة ، وتخويل الدوما للرئيس بوتين بتنفيذ المهمة ، والتي تمت بحجة حماية أمنها
القومي وذلك بمكافحة الإرهاب في معاقله قبل أن يطال الأراضي الروسية، وكذلك للحفاظ
على قاعدتها البحرية(طرطوس) الوحيدة والهامة على المياه الدافئة، والتي تحوي
مخزوناً كبيراً من البترول والغاز قبالة السواحل الشرقية للمتوسط ، ولسد الطريق
امام الغاز القطري المراد تمريره الى اوروبا عبر سوريا.
      استفادت الحكومة
الروسية من دعم الكنيسة الارثوذكسية الشرقية، ومباركة كبرى الدول العربية مثل مصر،
واستغلت الثغرات في الاستراتيجية الامريكية المبنية على عدم التدخل البري والاكتفاء
بالضربات الجوبة، والتعامل المتردد والمتبدّل مع المعارضة عسكرياً وسياسياً،
والاقرار بعدم التصادم والاشتباك مع القوات الروسية وخوض حرب معها بالوكالة، كما لم
يغفل الروس عن موقف اسرائيل المؤيد على اساس حماية أمنها من خلال تقزيم الدور
الايراني في سوريا وبالتالي في لبنان واقصائه منهما عملياً ومستقبلاً…
    كما لم تفت روسيا تسارع بعض الدول العظمى كفرنسا وبريطانيا للتدخل جوياً في ضرب
مواقع داعش (للاشتراك في اعداد الكعكة وتقاسمها)، وهذا ما عجّل من تدخلها للإمساك
بزمام المبادرة وفرض الحلول بما يؤمن مصالحها وما يناسب وزنها الدولي، وكذلك ليجبر
الإدارة الامريكية بشخص أوباما لاستقبال بوتين على هامش اجتماعات الجمعية العمومية
للأمم المتحدة ويناقش معه مشروعه بعد امتناعه لاستقباله لمدة تزيد عن السنتين
..
     رسائل روسيا للاطراف المعنية مربكة وصريحة بآن من خلال تدخلها المباشر
وهي : الحفاظ على النظام كجزء من الحل السياسي المقرر، وضرب كافة المجاميع المعارصة
المسلحة ولا سيما داعش وجبهة النصرة مع الافصاح بوهمية الجيش الحر المعتدل والبحث
عن قادته (في حال وجوده فعلياً) للتواصل معهم، وإفشال أجندات تركيا ومشروعها القائم
على انشاء منطقة آمنة في جرابلس (لفرض سيطرتها بغاية قطع أوصال المنطقة الكوردية
المحاذية لحدودها ومنع ربط كانتونات الادارة الذاتية القائمة ببعضها من ديريك إلى
عفرين)، وإخراجها من الساحة السورية لادعائها لاعباً أساسياً متحكماً بالكثير من
الأوراق في الأزمة القائمة بحكم الجواروإحتضان المعارضة، وإعلان الدعم لقوات
الحماية الكوردية والدعوة للتنسيق معها عملياتياً، في الوقت الذي تشترك بغرفة
عمليات مع طيران الحلفاء بقيادة أمريكا، التي تساندها في قصف مواقع داعش وفلوله ،
والذي كان عاملاً رئيسياً في تفوقها وحاسماً في تقدمها وتحريرها للعديد من المناطق
الكوردية. 
     إن التدخل الروسي بهذا الشكل الصارخ ينم عن احتمالين ،(1) إما
الاتفاق السري المسبق مع الأمريكان وهذا إمتداد للتفاهم وتوزيع الأدوار ابتداء من
الفيتو الروسي المتكرر في مجلس الأمن الدولي ضد قرارات إدانة النظام، ونزع سلاحه
الكيمياوي مروراً بمؤتمري جنيف، وهذا ما يخدم استراتيجية الدولتين في تقاسم المصالح
من خلال مخططات وترتيبات مسبقة الاتفاق عليها، وذلك لاختصار المراحل وتسريع الحلول
المقترحة وتنفيذها، (2) أو الاختلاف التام مع الأمريكان في التعامل مع الوضع السوري
مع صراع مضمر وبارد، إلى أن قلب الروس الملف في وجههم بالتدخل المباشر بمؤازرة
كوريا الشمالية والصين العازمةعلى إرسال إحدى حاملات طائراتها الحربية إلى البحر
المتوسط لأجل الدعم والمساندة، لقلب موازين القوى وفرض شروط جديدة وبأوراق مكشوفة
على الارض دفاعاً وتأميناً لمصالحها الحيوية، وفي هذا الاحتمال لا يستبعد أبداً
الاتفاق ولو جزئياً على بعض الخطوط العريضة المشتركة تجاه المنطقة عامةً وسوريا
خاصةً فيما يتعلق بمسائل التوازن العالمي في مجال الأمن والسلام، ولا سيما بعد
حلحلة الأوضاع المتأزمة في أوكرانيا بمساع حثيثة من ميركل مستشارة المانيا وهولاند
الرئيس الفرنسي مؤخراً، وطمأنة نتنياهو وتبديد مخاوفه أثناء زيارته الأخيرة
لموسكو..
     تدخل الروس جعلهم يسيطرون على الارض والسماء، ويتحكمون بأوراق
اللعب بالرغم من الحملات الاعلامية المجيشة ضدهم على ان سوريا افغانستان ثانية لهم
وسيغرقون في مستنقعها، بدليل أن الامريكان والاتراك يعرضون عليهم التنسيق في المجال
العسكري لتجنب الاشتباك بالتزامن مع سحب الألمان والأمريكان لصواريخ الباتريوت من
تركيا تجنباً للمواجهة المحتملة، ودول الخليج يحثون الخطا نحو موسكو ويطالبونها
بشرح مشروعها وتزويدهم بالمزيد من تفاصيله وأهدافه النهائية، لا سيما بعد تشكيل
المركز الرباعي للتعاون والتنسيق  الاستخباراتي العسكري في بغداد مع العراق وايران
وسوريا، الشيء الذي أثار حفيظتهم وزاد من تخوفهم .
     والكورد (وفق التقييم
الروسي) المصنفين ضمن الاقليات القومية والدينية والمذهبية في سوريا كالعلويين
والدروز والمسيحيين…، والواجب حمايتهم وضمان حقوقهم، بحكم حضورهم على الساحة
السورية أرضاً وشعباً، والروس قبل الامريكان اعترفوا بوجودهم وخصوصيتهم القومية،
وأكدوا على دعم فصائلهم المسلحة والتنسيق معها لمحاربة داعش وحماية مناطقهم من
هجماتها، وقد سبق أن دعوا إلى موسكو لأكثر من مرة، وبخاصة جناح الادارة  الذاتية
منهم أثناء الحوارات واللقاءات التي جرت بين قوى المعارضة والنظام تحضيراً للحل
السياسي وترتيباته. 
     والسؤال المطروح ما موقف الكورد من التدخل الروسي ؟
وما موقع الكورد من المشروع الروسي ؟ 
     على اعتبارهم مقسمين إلى جناحين:
الأول  حزب الاتحاد الديموقراطي PYD  الذي يقود TEV-DEM  وينتمي إلى هيئة
التنسيق(معارضة الداخل)، ويحمي المناطق الكوردية بقواته الـ YPG و الـ YPJ والآسايش
ويدير أمورها ذاتياً من مجمل النواحي في كانتوناتها الثلاث، والثاني المجلس الوطني
الكوردي ENKSالمنتمي إلى الائتلاف (معارضة الخارج(، والجناحان مختلفان في الموقع
والموقف السياسيين بالرغم من المحاولات العديدة التي قام بها رئيس اقليم كوردستان
السيد البارزاني لتوحيدهما صفاً وخطاباً، وهو المطلوب دوماُ وحالياً وذلك لعدم حدوث
الاختلاف والتصادم تجاه القضايا المصيرية والأحداث الكبيرة كالتدخل الروسي وتباعاته
، والابتعاد عن الانخراط في أي خندق لا يضمن حقوق الكورد في سوريا الجديدة
المستقبلية .. كي لا يصبح الكورد ثواراً تحت الطلب ينفذون أجندات الدول المتصارعة،
ويصبحون بالنتيجة ضحية للمساومات والاتفاقات المبرمة على حسابهم كما سبق وتكرر عبر
التاريخ، والتجارب مريرة ومؤلمة مع الدول العظمى ومنها روسيا وأمريكا.
      الكورد أصحاب قضية عادلة ومشروعة بكل أبعادها القومية والوطنية والديموقراطية،
والظروف الموضوعية مواتية لحلها بالرغم من التضحيات الجسيمة التي يبذلونها دفاعاً
عن وجودهم في محاربة داعش الرمز الأبرز والأفظع للارهاب الدولي المنظم والأسود،
ويجب أن ضبط البوصلة الكوردية وفق معايير وشروط الالتزام بحل القضية جدياً
ونهائياً، فلا ضير ولا تعارض من التعامل والتفاعل مع كافة الأطراف المؤثرة والعاملة
على الساحة، تلك التي تعرض دعمها ومساندتها بغض النظر عن العناوين والشعارات
والانتماءات لمواجهة التحديات ودفع المخاطربكافة أشكالها
وصورها.
—————-  انتهت  —————-

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

نورالدين عمر بينما يمضي مسار الاندماج بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة المؤقتة في سوريا، يغدو من الطبيعي، بل ومن الضرورة، أن يبادر قادة “قسد” بتمثيلهم العسكري والمدني، من سيبان حمو وجيا كوباني وسيامند عفرين إلى المحافظ نور الدين عيسى، بلقاء كافة قادة الفصائل والمسؤولين في الحكومة المؤقتة دون استثناء. لا ننكر جراح الماضي، فالمعارك السابقة خلفت آلاف الشهداء من…

جهان كور نعسان المثقف الكردي هو أكثر من استبشر وبارك سقوط النظام الأسدي بهيكليته و البعثي بعقيدته ، فليس بخافٍ كم من الأكراد المثقفين كانوا من معتقلي الرأي على مدى سنوات كُمِّمت فيها أفواه المثقفين بكل انتماءاتهم القومية والدينية في سوريا ، فلم يسلم في ذلك العرب و الكرد كما لم يسلم لا العلويون ولا الدروز ولا المسيحيون ولا أي…

شادي حاجي لم يعد بالإمكان التعامل مع ملف المختفين والمفقودين ولا مع قضية الأسرى الكرد في سوريا، بوصفهم حوادث معزولة أو نتائج جانبية لنزاع معقّد. ما يجري اليوم هو اختبار حاسم، بل إدانة مفتوحة، لمدى التزام السلطة الانتقالية في دمشق -بمختلف مستوياتها- بأبسط قواعد القانون الدولي، ولصدق ادعاءاتها بشأن الانتقال السياسي. إن غياب الشفافية، وامتناع الجهات الأمنية والعسكرية عن تقديم…

فيصل اسماعيل لم يعد ملف المعتقلين والمغيّبين في شمال سوريا، وخاصة من أنصار المجلس الوطني الكوردي، قضية إنسانية معزولة، بل بات مرآة تعكس تشابك الصراعات السياسية والعسكرية، سواء داخل البيت الكوردي أو بين القوى المتنازعة على الأرض، بما فيها «قسد» والحكومة السورية المؤقتة بقيادة رئيس الجمهورية احمد الشرع في الداخل الكوردي، يشكّل الخلاف بين المجلس الوطني الكوردي وحزب الاتحاد الديمقراطي…