م. أحمد زيبار
شكّلت نهاية الحرب العالمية الأولى منعطفاً حاسماً في إعادة تشكيل الفضاء السياسي للشرق الأوسط، إذ أُعيد رسم خرائط المنطقة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية وفق اعتبارات جيوسياسية خارجية، بعيداً عن مطالب الشعوب في تقرير مصيرها. وفي هذا السياق، أُقصي الشعب الكردي عن مسار بناء دولته القومية رغم حضوره التاريخي المتجذر في المنطقة. وبدلاً من ذلك، جرى تفكيك الحيّز الجيوسياسي الكردي وإلحاق أجزائه بوحدات سياسية ناشئة، من بينها الدولة السورية التي ضمّت القسم الغربي من كردستان.
منذ تشكّل الدولة السورية الحديثة، انخرط الكرد في مؤسساتها ضمن معادلة اتسمت بالتوتر بين المشاركة الفعلية والإقصاء الرمزي. فقد ساهموا في بناء الدولة ومؤسساتها، في مقابل غياب الاعتراف بهويتهم القومية بوصفها مكوّناً مؤسساً. وتعزّز هذا التوتر مع ترسّخ نموذج الدولة المركزية ذات الطابع الأحادي، التي اتخذت العروبة مرجعية حصرية لتعريف الهوية الوطنية، بما أفضى إلى إعادة إنتاج تراتبية بين المكونات وإقصاء الفاعلين غير العرب، وفي مقدمتهم الكرد.
تبلور الخطاب السياسي السوري، على امتداد عقود، ضمن بنية معيارية أحادية للهوية الوطنية تمحورت حول العروبة بوصفها المرجعية المهيمنة التي تحدد حدود «المقبول السياسي». وأفضت هذه البنية إلى إقصاء أشكال التعبير القومي غير المنسجمة معها، ولا سيما التعبير القومي الكردي، الذي لم يُهمَّش فحسب، بل خضع أيضاً لعمليات احتواء وإعادة تأطير قسرية ضمن حدود هذا النسق. وتجلّت هذه المقاربات في سياسات ممنهجة من التضييق والملاحقة استهدفت النخب السياسية والثقافية الكردية منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي.
ومع استيلاء حزب البعث على السلطة، انتقلت هذه المقاربات من حيّز الممارسة إلى حيّز البنية المؤسسية، حيث جرى تثبيتها ضمن منظومة حكم سعت إلى إعادة هندسة المجال السياسي برمّته. ولم يقتصر هذا المسار على الفاعلين غير العرب، بل شمل مختلف الفاعلين السياسيين عبر آليات ضبط وإخضاع متشابهة. وفي هذا الإطار، يمكن توظيف مفهوم «تدجين الفاعلين السياسيين» للدلالة على إخضاعهم لسقف غير معلن من التصورات والخطابات التي تنتجها السلطة، بما يعيد تشكيلهم كذوات سياسية منضبطة ضمن الرؤية الرسمية. وعليه، يُعاد تأطير أي انزياح عن هذا السقف، بصرف النظر عن الحامل القومي، بوصفه تهديداً للوحدة الوطنية أو خروجاً على إجماع مُفترض.
وفي مرحلة لاحقة، ولا سيما في ظل حكم عائلة الأسد، اكتسبت هذه الاستراتيجيات طابعاً أكثر تعقيداً؛ إذ لم تعد السلطة تكتفي بالقمع المباشر، بل اتجهت إلى اختراق البنى السياسية وإعادة تشكيلها من الداخل وتعميق انقساماتها. وبهذا تحولت الدولة إلى فاعل يعيد إنتاج المجال السياسي وفق منطقها السلطوي، بما أضعف استقلالية الفعل السياسي، ولا سيما لدى المكونات المهمّشة ضمن التصور العروبي الأحادي للهوية الوطنية.
ولم تظل هذه البنى مقتصرة على أجهزة السلطة، بل أُعيد إنتاجها داخل الحقل السياسي نفسه عبر فاعلين عملوا ضمن شروطها وحدودها، فتحوّل الفعل السياسي إلى ممارسة مقيّدة فاقدة لفاعليتها. وبدلاً من تحدّي هذه المنظومة، جرى استيعابها وإعادة إنتاجها تحت شعارات النضال وحقوق الشعب، وهو ما تجلّى بدرجات متفاوتة في بعض الحركات الإسلامية والماركسية والكردية التي وجدت نفسها تعمل ضمن البنى ذاتها التي سعت إلى معارضتها.
في ضوء ما سبق، تغدو إشكالية الانتماء نتاجاً مباشراً لاختلال مبدأ المساواة. فالمواطنة، في التصورات السياسية المعاصرة، لا تُختزل في بعدها القانوني الشكلي، بل تتأسس على خبرة اجتماعية وسياسية قوامها الاعتراف المتكافئ بالهوية والحقوق. غير أن الكرد في سوريا واجهوا بنية مزدوجة من الإقصاء؛ إذ طُلب منهم الاندماج في هوية وطنية جامعة، في حين مُنعت لغتهم، وهُمِّشت ثقافتهم، واستُهدفت خصوصيتهم القومية عبر سياسات ومشاريع ذات طابع تمييزي وعنصري تفتقر إلى أي أساس أخلاقي أو قانوني.
ولا يقتصر أثر هذا التناقض على إضعاف الإحساس بالانتماء، بل يتعداه إلى إنتاج حالة من الاغتراب السياسي، حيث يتشكّل وعي المواطن بذاته بوصفه منتمياً إلى كيان لا يعترف به اعترافاً كاملاً. ومن هنا يبرز السؤال المركزي: كيف يمكن تأسيس ولاء وطني راسخ في ظل غياب العدالة بشقّيها المعنوي والمادي؟
تتجلى إحدى أكثر الإشكاليات تعقيداً في ازدواجية المعايير التي تحكم تعريف الوطنية. ففي حين يُنظر إلى ارتباط العربي السوري بفضاءات عربية أو إقليمية بوصفه امتداداً طبيعياً لهويته، يُعاد تأطير أي ارتباط مماثل لدى الكرد تجاه القضايا الكردية العابرة للحدود ضمن خطاب الشك والاتهام. ولا تعكس هذه الازدواجية خللاً في السياسات فحسب، بل تكشف أزمة بنيوية في تعريف الوطنية نفسها.
فالوطنية، من منظور نظري، لا تفترض نفي الانتماءات الفرعية، بل تنظيمها ضمن إطار جامع يضمن تكاملها. وتُظهر الخبرات المقارنة أن الروابط العابرة للحدود، الثقافية كانت أم السياسية، لا تتناقض مع الانتماء الوطني، بل قد تعزّزه متى أُديرت ضمن منظومة مؤسسية عادلة ومتوازنة.
تقوم العلاقة بين المواطن والدولة، في جوهرها، على مبدأ التبادلية بين الحقوق والواجبات. وعليه، فإن مطالبة المواطن بالدفاع عن الدولة تفترض، منطقياً، تمتّعه بحقوقه الأساسية. غير أن الحالة السورية تكشف اختلالاً في هذه المعادلة، حيث يُطالب الكرد، شأنهم شأن سائر المواطنين، بالالتزام بواجبات وطنية في ظل حرمانهم من حقوق ثقافية وسياسية جوهرية.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى الدفاع عن الوطن بوصفه فعلاً إكراهياً، بل باعتباره تعبيراً عن انتماء متحقق. فحين تتوافر شروط المساواة والاعتراف، يتحول الدفاع عن الدولة إلى خيار عقلاني وأخلاقي في آن معاً، لا إلى واجب مفروض في سياق التهميش.
إن إعادة بناء العلاقة بين الكرد والعرب في سوريا تتطلب تجاوز النموذج الأحادي للدولة والانتقال إلى إطار تعددي قائم على المواطنة المتساوية والاعتراف المتبادل. ويستدعي ذلك إعادة صياغة العقد الاجتماعي على أسس تعترف بالتعدد القومي والثقافي وتضمن التوزيع العادل للحقوق والواجبات.
وضمن هذا الأفق، يمكن تصور دولة تتأسس على شراكة فعلية بين مكوناتها، ينتفي فيها التفاوت القيمي بينها، ويتحول الانتماء الوطني إلى رابطة جامعة راسخة. وعندئذٍ يغدو الدفاع عن الوطن دفاعاً عن الذات الجمعية، لا عن كيان إقصائي.
وتُظهر التجربة السورية أن استقرار الدولة لا يتحقق عبر سياسات الإنكار والإقصاء، بل من خلال الاعتراف بالتعددية وإدارتها ضمن إطار تكاملي. فالمواطنة المتساوية ليست مجرد مقولة معيارية، بل شرط بنيوي لتماسك الدولة واستمراريتها. وفي سياق العلاقة بين الكرد والعرب تتجلى هذه الحقيقة بوضوح: إما بناء شراكة عادلة، أو تكريس انقسام يهدد الجميع.
وعليه، فإن بناء سوريا المستقبل يمرّ عبر إعادة تعريف الهوية الوطنية على أسس تعددية، وتحويل التنوع من مصدر للتوتر إلى مصدر للقوة، ضمن دولة عادلة تعترف بجميع مكوناتها وتكفل شراكتها المتكافئة.
بريمن – 01.06.2026