قراءة اولية في المؤتمر الرابع عشر للحزب الديمقراطي التقدمي الكوردي في سوريا

اكرم حسين
 

شهدت الاشهر الماضية منذ انعقاد المؤتمر الثالث للمجلس الوطني
الكوردي  وحتى الان  “مرحلة رمادية ” لمواقف الحزب
الديمقراطي التقدمي الكوردي في سوريا – جزئيا على الاقل – وتجلى ذلك بشكل مكشوف
بتجميد ممثله في لجنة العلاقات الخارجية ومقاطعته لبعض اجتماعات المجلس الوطني
الكوردي وتصريحات سكرتيره حول العلاقة مع النظام السوري وامكانية الاستدارة باتجاهه
–ندوة هولير-  مع بقاء ممثله في الائتلاف، وتجلى
الاتجاه العام لسياسته في “الاستنزاف” وكسر العظم بينه وبين المجلس في
محاولة لاستعادة زمام المبادرة واستثمار الخلافات القائمة بين هذا الاخير  وبين حركة المجتمع الديمقراطي لتقوية موقعه معنويا
وسياسيا ، مما دفع سكرتير الحزب الى زيارة قنديل والالتقاء بالبارزاني بدعوى “جسر
” الهوة ونزع فتيل الازمة ،

 ويبدو أن تصريحات حميد-تلك-  كانت عبارة عن بروفا للانفتاح على النظام ومعرفة ردود
الشارع الكوردي السوري وجس نبض القوى السياسية التي اثرت الصمت كورديا وسورياً بما
فيهم الائتلاف ودفنت راسها كالنعامة في الرمال، ومع ذلك فان التطورات التي جئنا على
ذكرها –رغم اهميتها-  لا تختزل الصورة الحقيقية لمواقف التقدمي لان كل الوقائع على
الارض كانت تشير بأن التقدمي وبالأخص سكرتيره يدفع جاهدا الى ذروة اخرى من ذرى
الصراع الكوردي وهو ما نجح فيه من تحقيق بعض المكاسب ، والتي جاء في مقدمتها اضعاف
المجلس وتعطيل لجنة علاقاته الخارجية واستقطاب بعض القوى او الدفع بإعادة احياء بعض
الاحزاب المندمجة مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني –سوريا  وتفكيك وحدته ، وهو ما
بدا واضحاً في المؤتمر الصحفي الذي عقده حزب ازادي في قاعة المؤتمرات التابع لحزب
درويش، وبدون الدخول في التفصيلات لا بد ان ننتظر بعض الوقت لمعرفة ما سيتمخض عن
المؤتمر الرابع عشر  للتقدمي المنعقد حاليا ، ومعرفة مقاصد وانتقادات حميد درويش في
كلمته في الجلسة الافتتاحية وغمزه من قناة بعض القوى المؤتلفة في المجلس وما عكسته
تلك الكلمة وعبرت عنه من حالة الاحباط المعنوي كما افاد بعض الحضور بما في ذلك درجة
من الارباك والتخبط ، وفي كل الاحوال فمن الصعب ان نتصور ان يقدم درويش على
الانضمام الى حركة المجتمع الديمقراطي او الى كتلة احزاب “المرجعية”  لان هذين
الخيارين هما بالنسبة لدرويش من الجنون بكل معنى الكلمة ان لم يكون انتحاراً . 
بعد ما تقدم يحق القول بان الايام القليلة القادمة ستشهد وضعا جديدا واصطفافات
اكثر وضوحا لبعض  القوى  الكوردية وللمجلس معا ،مع التقدمي او بدونه ، وان مسرح
السياسة الكوردية سيكون مختلفا ومغايرا لما قبل 20/11 ، ورغم ان البعض من النخبة
والشارع الكوردي يشير بأصابع الاتهام ويعزو سبب تعطيل المجلس الى القوى الهامشية
الصغيرة -المتعششة في مركز قراره- بصفتها المسؤول الاول والاخير عن تعطيله وعدم
فاعليته، الا انني اعتقد اذا كان ذلك كذلك، فان الحزب الديمقراطي الكوردستاني-سوريا
هو الاخر يتحمل القسط الاكبر من المسؤولية لما وصل اليه حال المجلس والشارع الكوردي
معاً ،لعدم فعاليته ودخوله في مرحلة “التبوغ” والانكفاء،  ولذلك يصعب الان تصور
بدائل من طبيعة مختلفة على الساحة الكوردية السورية ، وما دام الامر كذلك –وهو
كذلك- وحتى ذلك الوقت فلا معنى من البحث الايجابي فيما هو قائم لان اصل المشكلة
يكمن في الحزب الديمقراطي الكوردستاني-سوريا وحلفائه ، مما يجعل من كل مهمة بديلة
محكومة بالفشل سلفاً ، لافتقارها الى القوة الكافية بجعلها واقعا قائماً واقصد
–هنا- دعم كوردستان العراق، واستكمالاً لما تحدثت عنه سابقا ينبغي الاشارة الى
صعوبة تكرار تجربة كوردستان العراق او تقليدها لان تقليد أي تجربة تاريخية –رغم
امكانية الاستئناس بها والاستفادة منها – امر صعب جداً لتباين الظروف واختلاف
سياقاتها التاريخية، وصعوبة هذا التقليد تكشفه الوقائع العنيدة على الارض في عجز
المجلس الوطني الكوردي والقوى الكوردية الاخرى ايضاً في تكرار نموذجه ، لأسباب
ذاتية وموضوعية ، داخلية وخارجية على حد سواء ، وفي غياب القائد التاريخي ،و
بالعودة لمؤتمر  التقدمي فان التطور الاهم هو عودة حميد درويش وعقده مؤتمر الحزب
بالداخل ، ولذلك ليس مصادفة ان تتوجه الانظار  اليه وتهتم بمجرياته ، دون الخوض في
الاسباب الاخرى ، لان المهم هنا دلالة وتداعيات هذا الحدث المحتملة في المستقبل على
كل الصعد وعلى كل الاطراف، فمؤتمر التقدمي وبعيدا عن الاطلاق وعن نتائجه وقراراته
المباشرة فانه باعتقادي سيشكل مرحلة جديدة على صعيد الحزب والحركة الكوردية
السورية، وسيعيده الى موقعه الطبيعي من الوسطية والاعتدال  بعد ان تبنى حميد درويش
مطالب الكورد التاريخية البعيدة المدى في اكثر من مناسبة وزحف باتجاه التطرف
القومي!!!،وبانغلاق الافق لخيارات بديلة-في المدى المنظور- فان الابقاء على المجلس
الوطني الكوردي  وتفعيله يجب ان يكون من اولويات كل كوردي غيور على قضيته وامته ،
باعتباره الكيان السياسي الاكثر تمثيلا  للاتجاه العام للثورة كورديا –مع بعض
التحفظ- والى اشعار اخر ، على الرغم من ملاحظاتنا المتعلقة بتفعيله ودمقرطته ووحدته
الداخلية وضرورة اعادة هيكلته ومأسسته وتوسيع تمثيله ، وحتى يتحقق هذا الامر لا بد
من اقامة صلات حوارية ونقدية معه حول المسائل المذكورة او غيرها لأنه من الاستحالة
اليوم ان نطلب من المجلس الوطني الكوردي  الاتيان بالمعجزات ، في ظل اختلال ميزان
القوى السائد وغياب الدعم الاقليمي والدولي وانقسام المجتمع وعدم استقلالية القرار
الكوردي ، وارتهانه لأجندات معينة ، وغياب الوحدة الكوردية على كل الصعد وخاصة
السياسية منها .   
واستكمالاً لحديثنا عن البدائل فان  كتلة احزاب “المرجعية”
ابعد ما تكون عن البديل الحقيقي الذي تطمح اليه الجماهير الكوردية وهي لا تعدو من
ان تكون تعبيرا عن الرغبات او السياسات المناوئة للمجلس الوطني الكوردي ، لان
البديل الفعلي لا يمكن ان ينشأ الا بصيغة ميدانية وسياسية ولوجستية . 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

قامشلو – ولاتي مه : 6 نيسان 2026 برزت إلى العلن مؤشرات على وجود خلافات داخل قيادة حزب يكيتي الكردستاني – سوريا، عقب صدور بيانين متتاليين ومنسوبين إلى اللجنة المركزية للحزب، تضمّنا مواقف متباينة بشأن الأوضاع التنظيمية، ما أثار تساؤلات حول احتمال حدوث انقسام داخلي في الحزب. ففي 5 نيسان، أصدرت اللجنة المركزية بياناً عقب اجتماعها الاعتيادي، تناول جملة من…

شادي حاجي أزمة السياسة الكردية لم تعد عرضاً جانبياً ، بل صيرورة بنيوية . لم يعد السؤال مجرد اعتراف بالقضية ، بل قدرة من يدّعون تمثيل الشعب الكردي على الارتقاء بها . الواقع واضح : أحزاب متنافرة، برامج غامضة، وصراعات شخصية تحلّ محل المشروع القومي والوطني العام . الفرصة التاريخية التي جاءت مع الحرب السورية ذهبت أدراج الرياح بسبب…

خالد حسو وأنا أترقّب هذه العودة، يملأني أملٌ صامت بأن يأتي يومٌ أعود فيه أنا أيضًا، بعد فراقٍ طال حتى أثقلته السنوات، وامتدّ لأكثر من أربعة عقود من الزمن. أربعون عامًا وما يزيد، لم تكن مجرد غيابٍ عابر، بل مسافةً كاملة بين الإنسان وذاكرته، بين الروح ومكانها الأول، وبين القلب وما ظلّ ينتمي إليه رغم كل شيء. كان هذا البعد…

سمكو عمر لعلي يقولون إنّ بعض الظنّ إثم، غير أنّ ما نشهده اليوم يدفع المرء إلى التأمّل العميق، بل وإلى طرح الأسئلة التي طالما حاولنا تجاهلها أو تأجيلها. لقد قلناها مراراً وتكراراً: إنّ الانشقاقات التي عصفت بصفوف الأحزاب الكوردية لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل كانت – في كثير من مراحلها – صنيعة أنظمةٍ معادية، وفي مقدّمتها نظام حزب البعث…