اليوم الأسود إيزيدياً

 ابراهيم محمود

ربما لم يعد في مقدور الكردي الإيزيدي تحمل
المزيد من الأهوال والفجائع، أعني الكوارث التي تسمّيه، أعني مآسيه التي تشير إليه
أبعد من حدود شنكَال، سوى أن لشنكال في عصر الحداثات الكبرى، وشرعات الأمم المتحدة،
وحقوق الإنسان، وكل المنظمات الدولية ذات الصلة، تلك العلامة الفارقة، حيث إن
شنكَال المرئي من عل ٍ، شنكال المحاط به من الجهات كافة، يسمّي أعداءه ممن كانوا
وممن سيكونون، كما لو أن المخطّط شنكَالياً هنا أن يكون اليوم الموعود والموغل في
السواد وليس أي سواد معهود، وهو حِداد شنكال الكردي الإيزيدي، من لدن المأخوذين
بالعنف الدموي ونشوة رؤية المذابح الجماعية وما ملكت أيمانهم من سفك دماء وتلذذ
بترويع الغير، وليس أي غير طبعاً، ليكون الكرد الإيزيديون في مئات ألوفهم الهدف
الجماعي للغزو الداعشي، في الثالث من آب 2014.
لم يكن داعش العنوان الأبرز والأكثر حداثة بالمرسوم الديني الإسلاموي، إيغالاً في
الطغيان والهمجية، إلا الترجمة النزيهة لمن يفتقدون النزاهة فيما هو إنساني،
الحداثة التي تستفز كل حداثة وما بعدها في العالم الذي يراهن على كرامة الإنسان
الشخصية، كما لو أن كل مضي بالحداثة إلى الأمام هناك، في الغرب المعلوم، يقابله مضي
بالهمجية ذات الدمغة الإسلاموية وبتعهد داعشي ومن يراهنون على ما هو داعشي حتى
اللحظة، إلى أقصى مدى لها، ما بعد الهمجية تأتي همجية من نوع آخر، إرهاب من نوع
أبعد من الآخر، وكيف قيّض لشنكال الجبل وهو في شموخه: في رحابته ومهابته، أن يكلّل
بدماء مراقة تحت لافتة مريعة تسربل عليه بالأحمر القاني من أوله إلى آخره، وهو
المشهد الأكثر ترويعاً ورؤية أمام العالم أجمع، فتكون للجينوسايد وعود أخرى، وطبعات
أخرى، كما هو المعهود في الذاكرة الجمعية الإيزيدية، وأنخاب من انتشوا أمام رؤية
التمثيل الهمجي الإسلاموي النشأة والرعاية أبعد من نطاق رؤية الدعشي بلونه الأسود
وأخلاقه السوداء، وخطواته السوداء، من جنسيات مختلفة، ولا أعفي حتى الغرب بنسبة
معلومة ومفهومه منه وفيه، عن هذه المشاركة فيما جرى وفيما يجري ويتخوف منه أن يجري،
كما لو أن ما بعد العولمة يَعِدُ بالمزيد من حفلات الهمجية المفتوحة وكرنفالاتها
ولمن يتفرج منتشياً على مشاهد المذابح الجماعية، وليس سوى الاستنكار وطلب
الاستغفار، وفي الداخل يكون الطلب على المزيد .
ليس من داعش معلوم باسمه وحدوده،
فحدود داعش الهمجية المدعَّمة ممن يعيشون صحو عنفهم، حيث توغل أيدي داعش وأسنانه
وكل خلية منه في الدماء وفي الهواء الطلق، ليس من داعش كان فحسب، إنما ما يكون
وسيكون وسيكون أبعد ما سيكون قياساً إلى الراهن، فقد كان هناك ما يشبه داعش إزاء
إقامة مذابح جماعية بحق الكرد  والكرد الإيزيديين في المتن في جينوسايداتهم الدورية
والقابلة للزيادة، في عهود سلفت ولما تزل ماثلة أمام أبصار ذوي الضحايا، وهم
يعايشون الموت كما لو أنه ألِفهم، وعرفهم واستأنس به، وتعرَف على صورته وجنسيته
ومواهبه في الترويع باسم من ينوّعون فيه داعشياً وفي نسخ أخرى، وهي إلفة تبقي
الكردي الإيزيدي أكثر من غيره مزكى للتمثيل فيه صغيراً وكبيراً، رجلاً وامرأة،
شيخاً وعجوزاً، كما لو أن ميثاق عهد موقَّع عليه أمام سمع وبصر خالق الخلق، من قبل
من يرون حتى الآن أن الدين هو أن تسفك دماء من ترسمهم أضاح نزوات تهدّىء عنفهم
الداخلي، ولشنكال في عصر ما بعد العولمة المثال الأكثر حداثة، وللغرب أن يستنكر أو
أن يبث صوراً حية لمن يهمه أمر الترويع والمستجد من الرعب هوليودياً، أبعد من
ملَكات خيالات كتاب الرعب في العهدة الهوليودية الأمريكية، والجهة المرسومة: هنا
شنكَال الدماء، شنكال الضحايا برسم الإيجار والفرجة والمتعة الهمجية والقراءة
البصرية والمنمية للمزيد من النشوات الخاصة لمن يرغب، وهنا يقيم الكرد الإيزيديون
حدادهم الجماعي وهم المنذورون لقتل تلو قتل على الطريقة الداعشية وما يأتي في نسخ
أخرى وتحت أسماء أخرى حيث يكون الخلف والسلف، وهم الموعودن مع ميتات، طالما أن الشر
الذي ينظر إليه متعهدو القتل الجماعي في ظل الميديا الكونية والشفافيات الكبرى ،
يعايَن باسم مشخص هو الكردي الإيزيدي.
أيها الأحبة الكرد الإيزيديون كل عام
وأنتم بألم أقل، بضحايا أقل، كل جينوسايد يباغتكم أنى كنتم، وأنتم بصدمة أقل، وقد
عركتم الصدمات كثيراً، وليس لكم سوى الصبر والسلوان، طالما أنكم تجسّدون الخير
الأعم من الذين يشخصون الشر الأعم فيكم، حتى وإن كنتم في بروج مشيدة أبعد من حدود
شنكَال، إنما أيضاً ليس لكم إلا أن تكونوا صحبة شنكالكم وصحة شنكالكم وعنفوان
شنكالكم  وخلود شنكالكم، بلالشه وقديسيه وشرّه الذي يخصب خيراً وليس أي خير
.
دهوك ، في 3 آب المكتسي سواداً .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

مهند محمود شوقي تبدأ بعض التحولات التاريخية بأحداث تبدو محدودة في زمانها ومكانها، لكنها تكشف مع مرور الزمن عن سياسة متكاملة. وهذا ما ينطبق على جريمة أنفال بارزان في الحادي والثلاثين من تموز عام 1983، التي لم تكن مجرد حملة اعتقالات جماعية طالت آلاف المدنيين، بل شكلت أول مؤشر واضح على انتقال النظام البعثي من مواجهة خصومه السياسيين…

جمعة عكاش ديرك.. مدينة تحتفل بمدير منطقتها الجديد وبلديتها الغراء في ظل غياب كل مقومات الحياة ديريك تعيش في ظل انقطاع تام للمحروقات وانقطاع شبه كامل للكهرباء ويحتفل سكانها بمدير منطقتهم الجديد. لا احد يستطيع ان يفسر سر الحفاوة بمدير منطقة جديد مدينته مشلولة بالكامل، سيارات سكانها مركونة امام البيوت لانعدام وجود البنزين والمازوت في محطات الوقود منذ ايام، السوق…

شادي حاجي في المراحل الانتقالية، لا يكفي أن تكون القضية عادلة، بل يجب أن تُدار بكفاءة. واليوم، ومع ما تشهده سوريا من تحولات سياسية ودستورية، تجد الحركة السياسية الكردية نفسها أمام استحقاق لا يقل أهمية عن أي استحقاق تفاوضي، وهو تطوير أدوات عملها والانتقال من الإدارة الفردية إلى العمل المؤسسي. فالمرحلة المقبلة تتطلب وجود منظومة استشارية متخصصة داخل قيادات…

صديق ملا إنّ ما جرى في الأيام الماضية وبالتحديد في أرياف الحسكة والقامشلي الجنوبي ليس حركة عشائرية نابعة من وجع الناس.، ولا من قساوة المعيشة التي يعانونها ولا من قلة الخدمات المتردية في المحافظة ، بل هي ((حلبة فتنة)) قادتها أدوات مرتهنة للخارج وأجنحة ٍمتصارعة ٍفي الداخل تسعى لتوظيف آلام الأهالي. وتبقى الحقيقة الثابتة وهي : أن أبناء المنطقة والسكان…