تكُلم حتى أراك

المحامي عماد الدين شيخ حسن
ما لم يتزوّد المرء بقدرٍ من الثقافة و الخبرة ولا سيما في مضمار اختصاصه وعمله، فليلتزم حينها حدّه و حجمه و ليوصد على ذاته الأبواب، و إلا فليكن على يقين بأنُه لا يًذهب بقيضيته وقضية شعبه أدراج الرياح فحسب، بل يحطّ من قدره و قيمته واحترامه إن افترضنا بأنّ القضية لا تهمه.
يقول سقراط: تكلّم حتى أراك 
لذلك من المعيب جداً بقناعتي أن يظهر رجل قانونٍ مثالأ عبر صفحة أو وسيلة عامة أو اعلامية أو ندوة أو في حضور رسمي أو تفاوض، مستخدماً ألفاظاً أو عباراتٍ العامة أو الدالّة على أن لا علاقة له بالقانون ودقيق مصطلحاته، أو أن يكون ببغائياً يردد ما يسمعه من غيره من مصطلحات قانونية وحتى لو كانت دقيقة في وصف حالة ما ولكن دون أن يكون قد بذل أدنى جهد في فهمها.
حضرت إحدى القانونيات الكورديات منذ فترة ورشة عمل وأثناء مداخلة لها ذكرت من جملة ما ذكرته بأنّ ما يحدث في عفرين يرتقي الى مصاف جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية وجرائم الابادة الجماعية، حينها تدخل مباشرةً بعض القانونيين العرب السوريون ممن يفتدون بني عثمان وسلطانهم اردوغان بدمائهم وفاء للخازوق، وقاطعوها بأنها تتكلم بحقد وعنصرية وبلغة العواطف بعيداً عن المصداقية والمهنية.
هنا ولأن الزميلة القانونية لا تحمل زاد القانون الكافي، ولم تحتاط على الأقل لفهم ما تنطق به، وضعت ذاتها في موقف محرج وهزمت ذاتها بذاتها وفي المقابل والأهم أنها فوتت على نفسها وقضيتها فرصة أن تخرس هؤلاء بالحجة والبرهان الساطع في القانون.
أظهرت نفسها جاهلة أمام من هم أجهل منها، ولم تستطع القول للحمقى، هاتوا واوضحوا لي ما الذي تفقهونه من الابادة الجماعية وهل الابادة الجماعية في نظركم مجرد القتل الجماعي لمجموعة بشرية او رميهم بالرصاص أو دفنهم في مقابر جماعية؟ 
ماذا تفقهون مثالا من المادة السادسة من نظام روما الاساسي لمحكمة الجنايات الدولية ١٩٩٨ التي تنص على ان اي فعل من افعال حددتها المادة  ترتكب بقصد هلاك كلي او جزئي لمجموعة عرقية او اثنية او دينية او قومية هي ابادة جماعية وتكاد تلك الافعال جميعها التي حددتها المادة اعلاه مرتكبة وبوضوح تام، فالكورد عموما والكورد الايزيديون كجماعة عرقية دينية يقتلون ويتعرضون للأذى الجسدي و العقلي ويتم اخضاعهم عمدا لظروف معيشية بقصد اهلاكهم كليا او جزئيا الخ و ذلك كله حسب الشروط والافعال الواردة في تلك المادة لإمكانية تطبيق وصف الابادة الجماعية.
لم تستطع القانونية ان تواجههم بالقول: ماذا تفقهون من اتفاقية منع جرائم الابادة الجماعية لعام ١٩٤٦ ؟ 
المغزى مما اسلفت قوله هو ان ننتبه الى الفرق الشاسع بين الجهل و المعرفة و أثاره ما بين المنفعة و الكارثة.
للأسف هناك من لا يبذل أدنى جهد أو حذر قبل ان يكتب أو قبل أن يتفوه بمعلومة. و أفعاله و اقواله تلك قد تنطلي على البعض و تمر مرور الكرام كما يقولون و لكنها ستوقع بصاحبه أمام أهون اختبار أو سؤال.
  المانيا ٢٥-٧-٢٠١٩

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبد الجابر حبيب لا أدري لماذا تسلل إلى ذهني مسلسل “صح النوم”، وبالتحديد ذلك المشهد الذي يحاول فيه حسني البرظان كتابة مقالته الشهيرة. يبدأ بثقة: “إذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في إيطاليا، فعلينا أن نعرف ماذا يجري في البرازيل.” ثم يتكفل غوار بإفساد كل شيء، فلا يكتمل المقال؛ لأن الواقع المؤلم الذي يعيشه كاتب المقال كان أثقل من أن…

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثانية: ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان… من الفكرة إلى المبادرة إذا كان تكرار الاعتداءات على إقليم كوردستان قد أصبح تهديدًا للاستقرار، وإذا كانت بيانات الإدانة لم تعد كافية لردعها، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو: ما البديل؟ البديل، برأيي، هو فتح نقاش دولي جاد حول إنشاء ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان، أو إطلاق مبادرة أممية…

شادي حاجي في مرحلة تتغير فيها خرائط النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط، وتتداخل المصالح الدولية والإقليمية بصورة متسارعة، تقف القضية الكردية أمام سؤال مختلف: هل ينبغي للكرد البحث عن حلول عاجلة، أم أن المرحلة تقتضي بناء استراتيجية طويلة الأمد تجعلهم أكثر استعداداً للمتغيرات المقبلة؟ ربما يكون الخيار الثاني هو الأكثر واقعية. فـالصبر الاستراتيجي لا يعني الاستسلام للواقع أو التخلي عن…

عبدالله كدو على المثقفين والسياسيين، وكل أصحاب الخبرة والحكمة والمهتمين بالشأن الوطني الكردي السوري العام ، أن يقدموا، بصدق وأمانة، الأدلة والقرائن والوثائق الأساسية التي توضح السير السياسية والفكرية للقوى والشخصيات الكردية الفاعلة، المدنية منها والعسكرية، كما هي في حقيقتها، بعيدا عن التقديس أو التشويه أو الانتقائية. فمعرفة الحقائق ونشرها ليست ترفاً، بل مسؤولية قومية ووطنية، إذ لا ينبغي أن…