وجوه قامشلي التي لم تكنْها «في زيارتي السنوية إليها صيف 2019 » – 16/10

ابراهيم محمود 
 
16- بورتريهات وجوه  
10″- وجه ابراهيم يوسف من الجانب الآخر من المعلوم بوجهه 
لست في وارد تقويمه هنا، لست ساعياً إلى التعريف به في بضع كلمات، بضعة أسطر، فهو متعدّي التعريف، قبل كل شيء، إنما ما يشدّد على أن الحديث عن قامشلي الثقافة أدباً، بجلاء، وعلاقات ثقافية على وجه العموم، هو الإشارة إلى الجهة التي يقيم فيه، ولا أسهل من الوصول إليه، وتلك أهلية تقبُّل للآخر من منظور ضيافي، وليس من حرج أن تجالسه في مكتبته حيث أرشيفه يختلط بكتبه التي ثقُلت الرفوف المتواضعة تحتها، أو في أي مكان من بيته مرحبَّاً بك.
ولا بد أن أسمّيه هنا الآن، الصديق الكاتب متعدد المواهب ابراهيم يوسف.
بعيداً عن أي اعتبار جانبي، وعلى مدى عقود من الزمن، وعبر مئات المعنيين بالشـأن الثقافي، إلى جانب علاقات متشعبة تصله بمختلف الشرائح الاجتماعية والسياسية، يكون بذلك قد ضاعف رصيده في أكثر من عنوان. ومن جالسه، من دخل بيته ذات يوم، وشرب معه كأس شاي، أو ارتشف فنجان قهوة… تجاذب معه أطراف حديث من هنا وهناك، في حضور آخرين غالباً، إذ يندر وجوده بمفرده في بيته، وما في ذلك من ضغط متنام ٍ  مع الزمن.. تكون الحصيلة استحالة العنوان الذي يقود خطاك إلى حيث يقيم، ليكون مَعلَماً قامشلاوياً، وهذا يحسَب له حساب .
وجه أكثر من وجه، يبقيك معه بعيداً، قريباً، ويحفّزك على التعاطي معه. وهذا التصريف القيمي هو الذي يوجه النظر إلى شارع بيته ذي الانعطافة نصف الدائرية، في حيه الشعبي. وجه لا أثني عليه هنا، كما هو تقديري، إنما يمضي بي المكان الذي يستغرق أكثر من حدود قامشلي، في طرق الثقافة، ودهاليز الكتابة، ومناخات القيل والقال، وكيفية تحويل المواد الخام من كل هذا الضجيج المتنوع الأبعاد والسياقات، الضجيج النافذ باستهلاكياته، لوجوه تسمى وجوهاً جزافاً، لوجوه طارئة على أجسادها، وأسمائها بعلاماتها الفارقة، إلى وثبة كتابة شعرية، أو منبسط مقال أو بحث أدبي، أو لقطة تذكارية تجد أرشيفها إلى كتاب مذكرات لم يحن أوان الإعلام عنه.
في وضع طارىء، أعني به حياة طارئة، أعني به، مستجدات تعصف بهذه الجهة أو تلك، حيث تترابط عناوين الشوارع ذاتها، تأخذ الأبواب سمة التحجر حيث تكون، خوفاً من ارتطام ما، وتخشى النوافذ على مواقعها، والداخل على داخله، ويندر حضور من يتكلم بلسان أديب أديب، ومثقف مثقف يحسن الإصغاء، ويجيد الانفتاح على سواه، يكون من باب اللزوم، ومقام المتعة البحث عن وجه إبراهيم يوسف، صديقاً، أليفاً، مرحاً، رغم انجراحاته، ضحوكاً رغم هواجسه التي تشده إلى هذا الاحتمال / الافتراض أو ذاك، صحبة عمر مضن. وهو ما يجري تجاهله.
لوجه ابراهيم يوسف الصديق الكاتب وجهيته، وجاهته، توجهه، عنوانه، مقامه الوجهي، وجهه الأدبي المختلف، وجهه البحثي المختلف، وجهه الحماسي المختلف، وجهه الفكري النقدي المغاير…وجوه في وجه واحد، قد تتلمس فيه نزقاً، وما أن تتحرى أمره، حتى تكاشف حضور صورة شعرية، لتجد معايشَه، وجهه الأدبي العام، صحبة وجهه الاجتماعي، وهذا يعني في المحصّلة العامة، أن هناك عنواناً جهوياً قد تيتمَّ، كما لو أن الشارع المؤدي إلى بيته لم يعد هو، أن الذين يقيمون في الشارع ليسوا هم، حيث كان هو. وإذ أتحدث عن وجه ابراهيم يوسف، فكوني أنقّب في قامشلي وجهياً، في الوجوه المارقة، الوجوه التي أصبحت ذات شأن، ليس لأنها تمكنت من إبراز خاصيتها، وإنما لأنها حدثية، لوَّنتها مستجدات.. نعم، هناك مئات الآلاف من الوجوه، وجوه مغمورة في المجمل، وجوه يتلبسها عرَض، مرض، زئبق متحول، لتصبح منفوخة، ولها أوداج، وعيون تتطلب المزيد من التدقيق لتعلم أنها موجودة وراء لحم مخمَّر كما هو العجين، وجوه مأخوذة بسواها. غير أن لوجه ابراهيم يوسف، مهما قدَّمت من حجج عما يكون، فلن يكون في مقدورك النظر في جهته، في الشارع الذي يؤدي بك إلى بيته، دون أن تكون على بينة من أمره، من كونه وجهاً قامشلاوياً . وعليك بالتالي أن تسأل عما جرى ويجري قامشلاوياً، وكيف اختل توازنها، ولحظة مناشدة الجواب، ربما تجد في غياب وجه ابراهيم يوسف الكثير من هذا الجواب، وقد قد أصبح في وضعية غياب وليس بغائب .
……… يتبع
11-” وجه عبدالغني ليلي، يحضرك حين الطلب

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سعيد يوسف   لم يتعرّض شعب في تاريخه الحديث إلى التهميش والإجحاف والظلم بقدر ما تعرض له الشعب الكوردي عموماً والكورد الأيزيديون خصوصًا. فعلى مدار تاريخهم الطويل المجبول بالدماء والإنكسارات والقهر، تعرض الأيزيديون إلى العشرات من جرائم القتل العمد والتصفيات الجسدية، وحملات الإبادة الجماعية، إبتداءً مما سمي بالفتوحات على أيدي الغزاة الإسلاميين الأوائل، ومروراً بالعصرين الأموي والعباسي وما بعدهما، واستمر…

أكرم محمد تشهد الساحة السياسية الكردية السورية حالياً واحداً من أعنف السجالات الفكرية والسياسية، المتمحورة حول شخصية الدكتور عبد الحكيم بشار، القيادي التاريخي في الحزب الديمقراطي الكردستاني-سوريا وأول رئيس للمجلس الوطني الكردي. فالباحث في مسيرته يراه سياسياً أمضى عقوداً في خندق المعارضة الراديكالية ومطالباً بالفيدرالية من عواصم الاغتراب الأوروبية والإقليمية، لينتهي به المطاف اليوم جالساً تحت قبة مجلس الشعب في…

لوند حسين* في رسالته الموجهة إلى الكونفرانس الثالث لاتحاد البحوث الإسلامية في ميزوبوتاميا «MÎA-FED» باسم مؤتمر(الإسلام الديمقراطي) الذي انعقد بقاعة علي أميري بمدينة آمد (دبار بكر) يوم السبت 20 حزيران/يونيو 2026، يطرح عبد الله أوجلان رؤية تعتبر أن الديمقراطية متجذرة في جوهر الإسلام، وأن وثيقة المدينة «يثرب» تمثل أحد أوائل النماذج الديمقراطية في التاريخ، وأن الانحراف بدأ مع قيام الدولة…

شـــــريف علي دخلت العلاقات بين إقليم كوردستان وسوريا منذ تشكيل السلطة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع مرحلة إعادة تشكّل عميقة، انتقلت فيها من القطيعة والتوتر إلى انفتاح سياسي وتنسيق أمني وحوار كردي–سوري برعاية كوردستانية. سقوط النظام السابق في 8 كانون الاول 2024 فتح الباب أمام دمشق للبحث عن بوابات آمنة تعيد عبرها وصل ما انقطع، وكان الإقليم –…