جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في عفرين ومسؤولية «تركيا» و «مشغليها» وفق القانون الدولي الإنساني

مصطفى أوسو
في سياق تطورات الأزمة السورية المستمرة والمتفاقمة منذ عام 2011، وضمن إطار العمل على توزيع مناطق النفوذ فيها للدول المؤثرة، قامت تركيا بداية العام الجاري، بالتعاون مع بعض ما تسمى بـ “الجيش الوطني السوري” – تم تشكيله من بعض فصائل المعارضة المسلحة السورية المتشددة المرتبطة مع تركيا – وبالتوافق مع روسيا وإيران، وفي ظل صمت دولي، بشن عدوان غاشم على منطقة عفرين، أدى بعد حوالي شهرين من المعارك العنيفة التي استخدمت فيها تركيا جميع أنواع الأسلحة الفتاكة، إلى السيطرة عليها وإخضاعها بالكامل لنفوذها وسيطرتها في 18 آذار/مارس 2018. 
وبصرف النظر عن أن سوريا كدولة أصبحت ساحة مفتوحة لجميع أنواع التدخلات من قبل العديد من الأطراف والقوى الدولية والإقليمية، والميليشيات المرتبطة بها، فأن التدخل التركي في مدينة عفرين – شمال سوريا، يشكل وفق نص المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، “جريمة عدوان”، ولا يغير من هذا الوصف القانوني لها، الإدعاءات والتبريرات التركية بـ “الدفاع عن النفس” وفق نص المادة (51) المذكور أنفاً من ميثاق الأمم المتحدة، كون “الإدارة الذاتية” التي كانت تسيطر على منطقة عفرين وتديرها، ليست مصنفة على قائمة الإرهاب الدولية، إضافة إلى أنها لم تشكل منذ وجودها أي تهديد جدي وحقيقي لتركيا. 
ومن ناحية أخرى فأن التدخل التركي يفتقد المشروعية وفق قواعد القانون الدولي، الذي يعتبر مبدأ “عدم التدخل” من المبادئ الأساسية الناظمة للعلاقات الدولية، مع العلم أن جميع الاستثناءات منه – من مبدأ عدم التدخل – مثل: “جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، التدبير أو التحضير أو المباشرة لحرب عدوانية، المساهمة في خطة عامة أو مؤامرة كارتكاب أحد الأفعال السابقة، تنظيم سلطات الدولة عصابات مسلحة للإغارة على إقليم دولة أخرى أو السماح بذلك التنظيم أو تشجيعه، ارتكاب سلطات الدولة أفعالاً على خلاف التعهدات الملقاة عليها بناء على معاهدة سلم وأمن دوليين”. غير موجود في هذه الحالة في منطقة عفرين، التي كانت تعتبر نموذجاً للمناطق الأكثر أماناً واستقراراً في سوريا منذ بداية الأزمة، حيث لجأ إليها الآلاف من النازحين السوريين من مختلف المناطق، هرباً من جحيم الحرب والجرائم المروعة التي ارتكبها بحقه “نظام بشار الأسد”، وما تسمى بـ “فصائل المعارضة المسلحة السورية”.
ومع أن قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وبشكل خاص اتفاقيات جنيف الأربعة – أخرها كانت عام 1949 – وبروتوكولاتها الإضافية لعام 1977، والتي تعتبر عصب القانون الدولي الإنساني المنظمة لقواعد السلوك أثناء النزاعات المسلحة، للحد من تأثيراتها وتأمين الحماية على وجه التحديد للأشخاص الذين لا يشاركون في الأعمال القتالية (المدنيون، عمال الصحة، عمال الإغاثة..)، والذين توقفوا عن المشاركة فيها (الجرحى، المرضى، أسرى الحرب..)، والتي تدعو إلى الإجراءات التي يتعين اتخاذها منعاً لحدوث كافة الانتهاكات، أو وضع حد لها، وتشمل قواعد صارمة للتصدي لما يعرف بـ “الانتهاكات الخطيرة”، وبموجبها يجب البحث عن الأشخاص المسؤولين عنها وتقديمهم للعدالة. إلا أن “تركيا” و “مشغليها” ممن يسمون بـ “الجيش الوطني السوري”، لم يتوانوا منذ بداية العدوان على منطقة عفرين وحتى الآن، عن ارتكاب جميع أنواع الانتهاكات المخالفة لها ولغيرها من القوانين والمواثيق والعهود الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، كالسرقة والنهب والخطف والاعتقال والاختفاء القسري والتعذيب والقتل والتهجير القسري وتدمير البنية التحتية والمرافق والخدمات وتخريب المعابد والآثار والمزارات والاستيلاء على منازل المواطنين ودور سكناهم وممتلكاتهم ومحاصيلهم الزراعية.
والمتتبع لكل الانتهاكات التي تقوم بها “تركيا” و “مشغليها” وإجراءاتها المخالفة للقوانين الدولية، وكذلك للأقوال والتصريحات الصادرة عن مسؤوليها، يدرك أن الهدف الأساسي منها، هو محاولة القضاء على الكرد في المنطقة والعمل على تغيير تركيبتها الديموغرافية. وهو ما يتأكد عملياً أيضاً من خلال قيامها بسد جميع الطرق والمنافذ أمام عودة الأهالي والسكان العفرينين إلى مناطقهم، وممارسة جميع أنواع الضغوط على العائدين منهم إليها لدفعهم على الهرب والتهجير القسري، والقيام بجلب عوائل عربية إليها من مناطق سورية مختلفة – غوطة دمشق الشرقية وغيرها – هجرها منها “نظام بشار الأسد”.
ووفقاً لقواعد القانون الدولي، تعتبر تركيا مسؤولة عن الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي يرتكبها “الجيش التركي” و “فصائل المعارضة المسلحة السورية” المنضوية في ما يسمى بـ “الجيش الوطني السوري”، والتي يعتبرها القانون الدولي الإنساني، “جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية”.
وبالاستناد لما ذُكر، على المجتمع الدولي أن يقوم بالواجبات والمسؤوليات الملقاة على عاتقه وفق نص المادة (1) من ميثاق تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، التي تؤكد على: “حفظ السلم والأمن الدولي، وتحقيقا لهذه الغاية تتخذ الهيئة التدابير المشتركة الفعالة لمنع الأسباب التي تهدد السلم ولإزالتها، وتقمع أعمال العدوان وغيرها من وجوه الإخلال بالسلم، وتتذرع بالوسائل السلمية، وفقا لمبادئ العدل والقانون الدولي، لحل المنازعات الدولية التي قد تؤدي إلى الإخلال بالسلم أو لتسويتها، وإنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها، وكذلك اتخاذ التدابير الأخرى الملائمة لتعزيز السلم العام، تحقيق التعاون الدولي على حل المسائل الدولية ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية وعلى تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعا والتشجيع على ذلك إطلاقا بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء، وجعل هذه الهيئة مرجعا لتنسيق أعمال الأمم وتوجيهها نحو إدراك هذه الغايات المشتركة”. 
وعليه أيضاً – المجتمع الدولي – ممارسة مسؤولياته وواجباته لإلزامها – تركيا – على وقف كافة أنواع انتهاكاتها وممارساتها المخالفة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني وتأمين عودة جميع السكان المدنيين النازحين والمهجرين إلى مناطقهم بأمان وسلام، ووقف عمليات التوطين والتغيير الديمغرافي الجارية فيها، وإدخال المساعدات الإنسانية والإغاثية إليها، والعمل على ملاحقة ومحاكمة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وتعويض ضحاياها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

بسم الله الرحمن الرحيم تكرّر العدوان غير المشروع على إقليم كوردستان الليلة الماضية مرة أخرى، وللأسف أسفر عن استشهاد اثنين من المواطنين الأبرياء في قرية زَرگزَوي بمحافظة أربيل، نتيجة هجوم بطائرة مسيّرة إيرانية. وهذا الأمر يُعدّ غايةً في الإجرام والظلم، حيث يُستهدف مواطنو كوردستان العُزّل بهذه الطريقة ومن دون أي مبرر، بدافع الحقد الأعمى. إن استشهاد هذين المواطنين البريئين قد…

شــــريف علي في السياسة كما في الاجتماع البشري عمومًا، لا توجد معادلة أكثر هشاشة من تلك التي تقوم على “اتفاق الفاسدين”. هذا النمط من التفاهمات، الذي يُبنى على تقاسم الغنائم بدل تقاسم المسؤوليات، يحمل في داخله بذور فنائه منذ لحظة ولادته. إذ لا يمكن لمنطق النهب أن يتحول إلى منظومة حكم مستقرة، ولا يمكن لتحالفات المصالح الضيقة أن تصمد أمام…

حوران حم في لحظات التحوّل الكبرى، لا تكون أخطر التحديات تلك القادمة من الخارج، مهما بلغت قسوتها، بل تلك التي تتسلل إلى الداخل بهدوء، وتُعيد تشكيل الوعي، وتُربك الاتجاه، وتُفكك البنية من حيث لا نشعر. ولعلّ أخطر ما أصاب الحركة الكردية عبر تاريخها الحديث، ليس فقط حجم الاستهدافات الإقليمية والدولية، بل ذلك المرض المزمن الذي تكرّر بأشكال مختلفة: الانشقاق… وما…

عمر إبراهيم بعد أربعة عشر عامًا من الحرب السورية، لم تعد القضية الكردية مشروعًا عسكريًا بقدر ما أصبحت اختبارًا سياسيًا لمستقبل الدولة نفسها. فالأكراد، الذين ملأوا فراغ السلطة في الشمال الشرقي خلال سنوات الصراع، يجدون أنفسهم اليوم أمام واقع جديد تحكمه التوازنات الإقليمية والدولية أكثر مما تحكمه القوة على الأرض. تراجع الحديث عن الاستقلال أو الفيدرالية الواسعة، لصالح طرح أكثر…