«بلماون» و «بامغار» كثرات أمازيغي و دلالة يهودية

الأمازيغي: يوسف بويحيى
كلمة “بلماون” الأمازيغية تعني دو الجلود ،هو ثرات أمازيغي متوارث منذ القدم لكن يختلف حسب المناطق الأمازيغية بسبب التقاليد و الأعراف الخاصة لكل منطقة إلا أن المغزى منه واحد ألا وهو ترهيب الناس بطرق مقبولة مرفوقة بأجواء العيد و الأفراح و الأغاني و الأشعار و الأهازيج لكل أفراد الشرائح الإجتماعية للقبيلة.
من المؤسف أن المؤرخ الأمازيغي لم يدقق جيدا في أصل هذه الأعراف الثقافية العريقة الدلالية ،لأننا كلنا نعرف أن إشكالية التاريخ الأمازيغي تلقى تزويرا و حذفا و حرقا شبه مطلق ،وأن معظم التاريخ الأمازيغي المتداول حاليا هو تأريخ مؤرخين يهود و مستشرقين بالإضافة إلى ماتبقى من كنوز تاريخ “إبن خلدون” و الرحالة “ٱبن بطوطة”….
نفس الشيء ينطبق على تاريخ شخصية المقاومة الأمازيغية “عائشة الملكة” للإستعمار البرتغالي في المغرب ،حيث نطق البرتغال كلمة “عائشة كونتستا” بمعنى “عائشة الملكة” حسب رواية الكاتب و المؤرخ “محمد بن جلون” و “بيل باكسون”… ،كذلك لم تسلم هذه القصة الأمازيغية الحقيقية من التصورات الميثولوجية العربية كأسطورة فقط للترهيب و الخوف من أجل طمس تاريخ الأمازيغ المليئ بالبطولات و الأمجاد و الإنسانية ،التي تسمى حاليا في الثقافة الشعبية الأمازيغية ب”عائشة قنديشة”.
إن دلالة “بلماون” يرجع تاريخه إلى حدث تاريخي من تاريخ بني إسرائيل كشعب مختار ،فكما ذكرت الثوراة حدث شتات بني إسرائيل في صحراء “سينا” بمصر ،لم ينفي الإنجيل كذلك قصة الشتات على بني إسرائيل التاريخية ،و كذلك شيء أقره القرآن بالتفصيل ،حيث مازالت فاجعة الشتات تسود مخيلة هذا الشعب المضطهد منذ ذلك الزمن الغابر إلى يومنا هذا.
إن اليهودي المتدين يرى من حادثة الشتات أنها حكمة ربانية للعودة في آخر المطاف إلى أرض الميعاد أي القدس ،و الآخر يرى من ذلك غضبا ربانيا عليه و على بني قومه ،و غيرها من المواقف الإنسانية تختلف حسب القراءة الذاتية لكل ذات يهودية.
إن تفسير ظاهرة “بلماون” أي ذو الجلود بمعنى رجل يلبس جلد اسود و يصبغ وجهه بلون اسود خصوصا بمسحوق الفحم الخشبي الطبيعي في هيئة إنسان بدائي للترهيب ،يحمل في يديه عصا أو سوط كرمز للضرب و العنف ،هذا الشخص يقوم بالجري وراء الحشد الغفير و الأنصار الذين ينتشرون في كل أرجاء المكان بطريقة غير منتظمة و عشوائية قصد النجاة و عدم السقوط في يده كي لا يتعرض للضرب.
إن دلالة هذا الرجل الأسود يعني الغضب الإلهي المخيف الذي لحق ببني إسرائيل مع موسى ،في حين الجري العشوائي للحشد هو دلالة على الشتات التاريخي لشعب بني إسرائيل ،العصا هي رمز الخوف و العنف و العذاب و الألم الذي لحقهم من ذلك الغضب نتيجة القدر الإلهي بعد تخلي الله عليهم (حسب ما الرواية الشعبية اليهودية).
أما ظاهرة “بامغار” الأمازيغية تعني “القائد التافه” ،فمعنى “أمغار” يعني الزعيم و إضافة باء (هناك من يضف الدال ك “دالفهيم”) تفيد التصغير و المسخرة في الأمازيغية ،حيث ينقلب المعنى من التعظيم إلى التصغير حسب سياق الكلام و التعبير و النية ،من خلال تراث “بامغار” ينتحل الشخص شخصية اخرى طريفة يميل لها في وقت المزاح و المرح ،”بامغار” ظاهرة تمارس عادة في الليل تكون مقترنة بظاهرة “بلماون” نهارا ،فدلالة “بامغار” تعود عندما كان شعب بني إسرائيل في شتات و تيه في الصحراء كانوا ينامون النهار في الكهوف و الغيران لكي لا يراهم الله كي يسلط عليهم الصاعقة ظانين بأن الله لا يرى في الظلام ،بينما في الليل يخرجون للسير و الصيد و المعيشة و البحث عن ملجأ لهم ،فعندما كانوا يحتاجون النار ليلا كانوا لا يشعلونها إلا بعد وضع قناع أو قماش على وجوههم لكي لا تظهر وجوههم بضوء النار خوفا من رؤية الله لهم ،لذلك فرقة “بامغار” ترتدي أقنعة و تصبغ وجهها ،كما أن تراث “بامغار” كرقصة رائعة لها علاقة وطيدة مع النار ،كما أن معظم الأغاني المتداولة تحمل ٱسما يهوديا مثل “موشي” أي موسى النبي و “هارون” أخ موسى الذي ذكر في الكتب الدينية ،و كذلك كلمات بالعبرية “أويه أويه ويه” بمعنى “هلموا هلموا لنجتمع” كنداء للشعب اليهودي لتوحيد الصف و الكلمة و الجهد من أجل الهدف المنشود ألا وهو العودة إلى الوطن الأم “القدس” و “أبوه أبوه بوه” باللغة العبرية و تعني “ياولنا يا ويلنا” دلالة على فاجعة القدر القاسي و الألم و الشتات و الإضطهاد.
إن ظاهرة “بلماون” و “بامغار” هما ظاهرتين مقترنتين بالأنثربولوجية للشعب اليهودي الشقيق ،كما أن إسقاط كل التصورات الدينية المتداولة تجد تطابقا عجيبا و منطقيا في هاتين الظاهرتين اللتين مازالتا في حفظ الثقافة الأمازيغية.
كما قلت مرارا بأن الشعب الأمازيغي منذ بزوغ التاريخ كان اخا شقيقا للشعب اليهودي ،فعندما طرد اليهود من الأندلس من طرف المسلمين قامت المماليك الأمازيغية بإواء اليهود اللاجئين في بلدان شمال إفريقيا اي المغرب الكبير الأمازيغي ،كأخوة دون إعتبارهم لاجئين حيث تعاشروا و تبادولوا علاقات التصاهر و العمل و كان الأمازيغ يشاركونهم في إحتفالاتهم و من بينها ظاهرة “بلماون” و “بامغار” التي جاءت نتيجة تلاقح و تلاحم الثقافات و الحضارات و التقاليد اليهودية و الأمازيغية.
إن قبيلتي “أيت هادي” الأمازيغية الصامدة تعتبر من أعرق القبائل التي فتحت أبوابها لليهود لأكثر من خمس مئة سنة حتى عصر النهضة من تاريخ اليهود لتأسيس دولة ٱسرائيل سنة 1948 ،و تعتبر قبيلتي أقدم قرية أمازيغية تحتفل بالأعراف اليهودية إلى يومنا هذا.
إننا نفتخر بالأخوة اليهودية و الأمازيغية التي لم نرى منها إلا الخير.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…