جنوب أفريقيا وتركيا

 اسماعيل بيشكجي
في سنوات 1950-60-70-80، كان يقال عن أن جنوب أفريقيا هي ” الدولة الأكثر عنصرية في العالم “، وكانت الولايات المتحدة الأميركية أيضاً تواجِه تهمة كهذه.
وفي السنوات المذكورة كانت إدارة البيض تخاطب السود هكذا ” أنتم سود، فلا تخالطوا البيض، عيشوا بعيداً عن البيض. ولتكن أحياؤكم، مدارسكم، مشافيكم، أماكن لهوكم، فنادقكم، حدائقكم، شواطئكم، سياراتكم، مقاهيكم وأماكن لهوكم، ومراكز العلاقات العامة مختلفة. لا تخالطوا البيض، عيشوا بعيداً عن البيض. وما كانت إدارة البيض توافق على تعيين السود في وظائف حساسة في الدولة أيضاً.
لهذا، فإن إدارة البيض هذه، خصَّصت مساحات واسعة مسيَّجة بالأسلاك الشائكة والتي كان يقال لها” البانتوس Bantustan”، وكان السود يقيمون ضمنها. وكانت هذه الجهات تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات العامة، إذ كان هناك انقطاع مستمر لكل من الماء والكهرباء، ومجاري الصرف الصحي كانت تنسد باستمرار، سوى أن السود عاشوا حياة مستقلة في هذه المناطق، كان السود يعيشون حكماً ذاتياً، وكان يقال لهذه الإدارة نظام ” الأبارتيد: التمييز العنصري “، وكانت تفصح عن تمييز مكاني وقيمي .
وكان هناك وضع يشبه ذلك بالمقابل في الولايات المتحدة الأميركية، فمن يكونون من أصول أفريقية ما كانوا يستطيعون إرسال أبنائهم إلى المدارس التي يسجَّل فيها أبناء البيض. وكذلك، فإن السود ما كانوا يستطيعون الركوب في وسائل النقل: الأوتوبيس، القطار، وهي الوسائل التي يركب فيها البيض. ومن يكونون من أصول أفريقية ما كانوا يستطيعون الذهاب إلى المقاهي وأماكن اللهو التي يقصدها البيض، وفي تلك الفترة كانت الولايات المتحدة الأميركية تأتي في المرتبة الثانية من جهة التمييز العنصري في العالم بعد جنوب أفريقيا.
وفي تركيا أيضاً، نجد ما يشبه ذلك. مثال: كان يقال للكردي” عليك أن تعيش مع الأتراك، وعليك أن تعيش مع الأتراك مرغماً، إنما ستعيش معهم مثلهم، وليس لك من خيار آخر. وليس هناك من لغتي الأم، ثقافتي، أسلافي…عليك أن تنسى كل ذلك، عليك أن تعيش مثل الأتراك، وأنت مع الأتراك، وأن تتشبه بالأتراك :
Sen Türklerle birlikte yaşayacaksin. Türklerle birlikte yaşamak zorundasin. Ama Türk,e benzeyerek yaşayacaksin.Başka şansun yok. Benim anadilim, kültürüm. Atalarim…Gibi söylem yok. Bunlari unutacaksin. Türklerle birlikte Türk gibi, Türk,e benzeyerek yaşayacaksin…”
دقّقوا هنا ” لا يوجد أي تمييز- أي اختلاف ” .معاً تكون معايشة الحياة، ومعاً تكون إرادة الحياة. إنما كيف؟ إن هذه المعايشة، هذه الإرادة، وفق أي شرط تتم؟ شريطة أن ينسى الكرد هويتهم..إنه التتريك..أهذا معقول؟
ترجمة عن الكردية: ابراهيم محمود
نقلاً عن كتاب اسماعيل بيشكجي: نوعية النظام والكُرد” مقالات 2005-2013 “، الترجمة عن التركية: روشان لزكين- أحمد كاني، منشورات اسماعيل بيشكجي، ستانبول،ط2016، ص451-451، وهو مقتطع من مقال يرجع تاريخ نشره إلى عام 2010، وعنوانه: لماذا لا تطبَّق الحقوق والحريات في الحياة ؟
أما الفقرة المكتوبة بالتركية، والتي تقابل النص المحدد، فهي مأخوذة من الكتاب في نسخته التركية، والمعنونة بـ:
Regimin niteliği ve Kürtler”Makaleler 2005-2013″, Ismail Beşikci Vakfi Yayinlari , Istanbul, 2013,s;427.
ولقد أوردت المقابل لأهميته بالتركية، وتكرار هذه المقولة في الكثير من كتابات بيشكجي، في إطار الأدبيات السياسية والإيديولوجيا التركية الرسمية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد بلال يُعدّ الشعب الكوردي من أقدم شعوب الشرق الأوسط وأكثرها تمسّكًا بأرضه وخصوصيته الثقافية. وعند التأمل في الديانة الإيزيدية ومقارنتها بعادات وتقاليد الكورد، تتضح صلةٌ عميقة تدل على أن كثيرًا من الملامح الإيزيدية ما تزال حاضرة في الشخصية الكوردية، رغم اعتناق أغلبية الكورد الإسلام عبر القرون. كان الكورد معروفين بصدقهم في القول، حتى أصبح يُقال عن الكلام الحق: “كلام…

عدنان بدرالدين إذا كانت الحلقة الأولى قد بيّنت كيف تبدأ فرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة» بين نقد ماركس لبراءة الديمقراطية الشكلية ودفاع آرندت عن السياسة بوصفها فعلًا لا يجوز اختزاله في الإدارة، وإذا كانت الحلقة الثانية قد أضافت، مع فيبر ونيتشه، عنصرين حاسمين هما الوعي بأن السياسة بلا ضمانات، والشك في أن الحياد لغة بريئة حقًا، فإن هذه الحلقة الثالثة تصل…

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…