سورية الكُرد وعرب أردوغان وما بينهما

ابراهيم محمود
تشكَّلت سورية الحديثة إثر الغزو الفرنسي لها سنة 1920، وكما يقول التاريخ السياسي لها، فإنه لولا المقاومة الكردية لكانت كل من الرقة ودير الزور تابعتين لتركيا ” الحديثة “، طبعاً ليست لأسباب ” وطنية ” وإنما حسابات سياسية خاصة، ولولا ” أكراد ” سورية ” بغضّ النظر عن التوجه الحزبي، لكانت أغلبية المناطق الكردية خراباً، أي لما كانت حضناً دافئاً يستقبل مئات ألوف العرب الفارين من جحيم الداخل السوري، وها نحن نشهد كيف أن براعة  جيش المعارضة السورية ” الحر ” وبإمرة تركيا المسلمة ” العروبية ؟ ” تفتح نيران أحقادها المشتركة على عفرين ، ووسط أدعية ملايين العرب وإعلامييهم وسياسييهم وسحرتهم، وأشياع من الكرد أيضاَ، بفوز ” الفاتح/ المؤمن / الغازي ” أردوغان على الكرد الكفرة.
ربما هي من إحدى أهم مفارقات السياسات العالمية عموماً، وفي المنطقة خصوصاً، وبالنسبة لكيفية تعامل العرب المعنيين بما يجري، وفي سوريا بشكل أخص، حين يُهلَّل لهذا الغزو الهمجي، فقط لأن هناك كرداً ” إرهابيين “، ويصوَّرون أكثر من إرهابيين، حيث يخفون ” الجزة الصوفية ” داخلهم. فمن يسيطر على الكرد يكسب بطولة ” اللعبة ” .
وحتى لو أننا تحدثنا أكثر على ” بساط أحمدي؟ “، فثمة ما يعمّق مفارقة القرن هذا أو خُمسه الأول، وهو أنه في الوقت الذي يركّز الـ” PKK ” في تركيا على ” ديمقراطية الشعوب “، أي دون وجود أي أثر كردي صراحة، ولا بأي شكل، والـ” PYD ” امتداد الآخر في سوريا، على ” الأمّة الديمقراطية ” أي دون وجود أي أثر كردي صراحة، أيضاً، ولا بأي شكل في الاسم، لا يخفي ساسة الترك، وفي واجهتهم الآن أردوغان، أن الذي يعلمون بأمره، لا يعلم به سواهم، أي : وجود ” خبث ” كردي ” في اللعبة، أنَّى كانوا، وهكذا الحال في أمور أخرى، فـ” الله ” الكردي، غير ” الله ” العربي، التركي، فالفارسي، وهذا صحيح تماماً، إذ لكَم كان  ” الله ” الكردي، أو حتى ” Xweday:ê wî ” دافعاً إياه لأن يكون في مرمى ” أخوته ” من عرب وفرس وترك ومن يتبعونهم، كما لو أن مساره هذا يخيفهم، وهم ليسوا كذلك، فإنني لا أعلم في أي تاريخ كان ” الله ” العربي إجمالاً بعيداً عن إعمال السيف، وحديثاً عن إعمال الكيماوي والرصاص والقذيفة والقنبلة في حياة الكردي” تخريباً وترهيباً، لا أعلم في أي تاريخ كان ” الله ” التركي بمعزل عن إعمال السيف ونظيره كل ما هو مدمّر في جسد الكردي: الرجل والمرأة، الصغير والكبير، لا أعلم، في أي تاريخ كان ” خُودا ” الفارسي ” بعيداً عن إعمال باروده، وحبل مشنقته وناره الحارقة والمحرقة في بيت الكردي وزرعه وجسده.!
ربما لو أن الكردي هذا، وعلى أرض الواقع، شاطرَ هذا الثالوث المسوم بعضاً قليلاً من حقده وأنانيته واشتهائه لدم الآخر في التاريخ، لكان له موقع آخر، ربما امبراطورية رابعة في المنطقة، ولما وجِد كلام كهذا..
أردوغان، وعروبيوغان، وكوالسيونغان وميديوعربغان لا يريدون لأي جهة يتردد فيها اسم كردي، حتى لو أنها كانت برزخاً للآخرين إلى جنة ” الرضوان “. إنهم في وضعية استفار ضد أي مسعى كردي من هذا النوع، حتى لو كان من أجلهم، أي بما أن هناك كرداً في الموضوع، ومن المؤسف جداً أن عرب المعارضة السورية، ومن ليسوا في خانة المعارضة السورية يهلّلون لخطوات كبحية، ردعية، قمعية استئصالية، كما نشهد الآن ضد ” عفرينغراد ” الكردية.
من المؤسف أن هناك كماً وافراً من الكرد لا يستوعبون هذا الدرس الاثني، الجغرافي والسياسي، ليخرجوا من قماقمهم السياسية، وليتعرفوا على نوع كرديتهم المطروحة في ” سوق البالِه العالمي ” وفي المنطقة بشكل أخص، أم تراهم اعتادوا ارتداء المهترىء والمهلهل والخلِق والرث والمسموم من هنا وهناك: عالمياً وإقليمياً ومحلياً ؟
دهوك- في 26-1/ 2018 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…