أين اختفى ما يُسمى بالجهاديين؟

 

د. فيصل القاسم

 

أولاً وقبل شيء لا بد من التأكيد على أنه مغفل من مازال يصدق أو يراهن على من يسمون بالجهاديين أو يثق بهم وبجماعاتهم، أو يريد أصلاً الاعتماد عليهم، خاصة بعد أن انفضح دورهم على مدى عقود في أكثر من قضية وبلد، وخاصة أثناء الانتفاضات الشعبية في العديد من البلدان العربية. ومغفل أكثر طبعاً من يعتقد أنهم ظهروا على الساحة منذ عقود كرد فعل طبيعي على الظلم والطغيان في العالمين العربي والإسلامي. وكم كانت مجلة الإيكونومست البريطانية مخطئة ومضللة في مقالها الأخير عندما حذرت من أن حرب غزة قد تعيد الحياة للجماعات المسماة جهادية، بسبب الظلم والدمار اللذين وقعا على الفلسطينيين. لا أدري لماذا تحاول المجلة أن تستغبينا وهي تعلم علم اليقين أن تلك الجماعات ليست نتاجاً اجتماعياً ثورياً، بل هي صناعة مخابراتية بالدرجة الأولى بشهادة واعتراف صانعيها من الدول الكبرى والصغرى التي وظفت من يُسمون بالجهاديين لأغراضها الخاصة، ثم تخلصت منهم تباعاً. وكلنا يتذكر ما حدث لمن كان يسميهم الرئيس الأمريكي الراحل رونالد ريغان بمناضلين من أجل الحرية عندما كانوا يقاتلون السوفيات في أفغانستان لصالح أمريكا، ثم أصبحوا لاحقاً إرهابيين في نظر الأمريكيين، فتم شحنهم إلى معسكر الاعتقال سيئ الصيت في غوانتنامو ليتم التنكيل بهم ليل نهار.

 

ليس صحيحاً أبداً ما تدعيه المجلة البريطانية بأن ظاهرة الجهاديين لم تنته بمقتل رئيس تنظيم القاعدة، وأن تنظيمات جهادية جديدة ظهرت بعد فترة وجيزة من اغتياله كرد ثوري على الاستبداد والطغيان والفساد في العالم العربي في بداية ما سُمي بالربيع العربي. هذا الهراء لا يمكن أن يمر على أحد، فتلك التنظيمات الجديدة لم تكن أبداً رديفاً للثورات الشعبية التي بدأت في عام ألفين وأحد عشر، بل تم تصنيعها وقتها خصيصاً للإجهاز على الانتفاضات الشعبية وشيطنتها وتمهيد الطريق لتدخل القاصي والداني في البلدان العربية بحجة مواجهة الإرهاب والإرهابيين. وقد نجح مخطط استخدام الجهاديين كبعبع نجاحاً باهراً في عموم البلدان التي شهدت ثورات، فتحولت الانتفاضات الشعبية وبالاً على بلدانها وشعوبها بعد أن اختطفتها ما تسمى بالجماعات الجهادية، وهذا يؤكد أن تلك الجماعات كانت مجرد أدوات في أيدي القوى الخارجية والداخلية لأغراض غير نزيهة، سواء عِلم من يسمون بالجهاديين بذلك أو لم يعلموا.
تلك الجماعات ليست نتاجاً اجتماعياً ثورياً، بل هي صناعة مخابراتية بالدرجة الأولى بشهادة واعتراف صانعيها من الدول الكبرى والصغرى التي وظفت من يُسمون بالجهاديين لأغراضها الخاصة، ثم تخلصت منهم تباعاً
لكن العبرة دائماً بالنتائج، والنتائج التي تسببت بها تلك الجماعات للشعوب وقضاياها كانت كارثية، وأكبر دليل على الدور الوظيفي المشبوه لتلك الجماعات، أنها اختفت عن الأنظار تماماً منذ اليوم الأول للحرب على غزة، ولم يصدر عنها ولو تصريح بسيط دعماً للغزاويين، بل على العكس من ذلك، صدرت عنها تصريحات عديدة على مدى سنوات ضد بعض الحركات الفلسطينية تدعو لمواجهتها ومحاربتها. وهذا لا شك معروف في مصلحة من يصب، ويؤكد على أن تلك الفصائل تظهر وتختفي عند الطلب حسب مصالح وأهداف مشغليها والمستفيدين منها المعروفين للقاصي والداني. ومن هو أكبر مستفيد من اختفاء تلك التنظيمات عن الساحة تماماً في عز التدمير والقصف الهمجي الذي تتعرض له غزة يا ترى؟ الجواب معروف للجميع طبعاً.
لا شك أن البعض سيتحجج بصعوبة الوصول إلى غزة للدفاع عنها، وهذا تبرير هزيل تستخدمه تلك الجماعات منذ عقود عندما يتهمها البعض بأنها أهملت القضية الفلسطينية وتفرغت لقضايا أخرى بعضها خارج العالم العربي أصلاً. لكن الواقع يقول العكس، فما يسمى بالتنظيمات الجهادية يصول ويجول في عموم سوريا والعراق ولبنان، وكلها أراض يمكن استغلالها بطريقة وبأخرى لمحاربة الأعداء. ولا يخفى على أحد أن هناك معسكرات كبيرة لتنظيمات تسمي نفسها جهادية جنوب سوريا شرق السويداء، وهي منطقة قريبة جداً من الجولان السوري المحتل وحدود فلسطين، لكن تلك التنظيمات لم تظهر أبداً في تلك المنطقة، بل انتشرت في مناطق أخرى لتتفرغ فقط لقتل وتهجير السوريين وغيرهم بناء على تعليمات مشغليها، كما فعلت مع أهالي السويداء وآخرين من قبل.
طبعاً لسنا هنا مطلقاً أبداً بصدد دعوة أو تحريض الجهاديين المزعومين بأن ينصروا غزة، فهذه أصلاً أضغاث أحلام، ولا يحلم بها سوى المغفلين، وكحلم إبليس بالجنة لن تحصل أبداً، ولا يريدها حتى الفلسطينيون أنفسهم، لأنهم شاهدوا ما حصل لانتفاضات الشعوب التي دخلت على خطها الجماعات الجهادية المخابراتية المشبوهة، بل نحن هنا بصدد الرد على الذين مازالوا يروجون ويعتبرون تلك الجماعات جزءاً من الحراك الشعبي في وجه الطغاة والظالمين، كما زعمت مجلة الإيكونومست، زوراً وبهتاناً، في مقالها الموسوم: «ثورة دينية على الطريق في الشرق الأوسط». وأخيراً أرجو أن تجيبوا على السؤال التالي: أليس من الغريب جداً أن تصدر تصريحات تكفيرية من بعض التنظيمات الجهادية المزعومة، في عز الحرب على غزة، ضد بعض الحركات الفلسطينية؟ في مصلحة من تصب تلك التصريحات يا ترى؟
كاتب سوري
————–
القدس العربي

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…