بلطجات السوشيال ميديا: وفرض ثقافة الابتذال

 

إبراهيم اليوسف

 
إذا كانت السوشيال ميديا، قد أحدثت، بحق، ثورة حقيقية، في عالم الإعلام، وباتت للفرد العالمي وسائله الإعلامية ذات الحضور الفعلي، بعد أن كان الإعلام  سلطة رابعة، بل سلطة أولى، في نظري، وإن  دأب الطغاة على محاولة التحكم بها، عبر التاريخ، وبحسب ما هو متاح من أدوات ووسائل الإعلام، وهكذا بالنسبة للمتنفذين، من ذوي رؤوس الأموال، إلا إنه في أمثلته المشرفة، تاريخياً، لطالما مارس دوره العظيم، في مواجهة آلة الشر، والفساد، وكان للكلمة ثقلها الذي يبزُّ قوة الرصاصة، إلا إن من فضائل ثورة المعلوماتية والاتصالات، أن غدا لهذا المواطن العالمي حضوره اليومي، كي يصبح الإعلام مشاعاً، غير محتكر، وفي إمكان أي منا أن تكون له وسائله الإعلامية المتعددة، عبر  المواقع الإلكترونية، الفيس بوك، أو التويتر، أو الانستغرام، أو التلغرام إلخ، 
بل بات في مقدور أي كان أن يغدو مدير قناة بث، عبر الفيس بوك، تكاد تنافس التلفزيون، وراحت تكسر سطوة القنوات التلفزيونية التي طالما خصص ممولوها ملايين الدولارات سنوياً، لأداء رسالتها!، بل أن يصبح” رئيس” تحرير موقع افتراضي أو جريدة افتراضية أو مجلة افتراضية، من دون أن تكون هناك أية شروط مسبقة في استخدام هذه الوسائل، لاسيما من قبل: الجهلة، أو غير الأكفياء، أو ساديي النزعات الذين يولعون بإلحاق الأذى المعنوي بسواهم، وهوأذى لايقل عن الأذى الجسدي، كي يصل بعذ ذلك إلى مصافي- الإرهاب- المعنوي!
لقد استطاعت ثورة المعلوماتية، التي توافرت في ظلها وسائلُ التواصل الاجتماعي،  أن تحقق- مشاعية الإعلام- أن تقدم نماذج إعلامية جد مهمة، لم تتخرج في الأكاديميات والمعاهد العليا، وإنما من بين العوام، ليلتف حول هؤلاء الآلاف، أو حتى الملايين، في بعض الحالات، بحيث أن صاحب الموهبة الشعبي قد تمكن من إيجاد فضاء جد واسع له، يتعدى حدود الخرائط، ليكون صاحب رسالة فاعلة تخدم مجتمعها، ولقد رأينا كيف أن المواطن الصحفي- مثلاً- قد أثبت حضوره، مع بداية الثورة السورية التي أجهضت- فيما بعد لأسباب خاصة لا تخفى على أحد- وأدى رسالته على أكل وجه، في تبني رسالة من لا إعلام لهم، مدحضاً خطاب النظام الذي كانت تسخر له الملايين، بينما ليس بين يدي هذا الصحفي سوى  منبر، مجاني، في الفضاء الأزرق!  
إلا إن توافر التقانة، وسهولة إطلاق منبر عبر الفضاء الأزرق، أو حتى قناة بث عبر الفيس أو اليوتيوب، بات كل ذلك متاحاً للإعلامي وحتى المواطن العالمي، غير الممتلك لأدوات العمل في  هذا المجال، أو حتى غير الملتزمين بقوانين البلدان التي يعيشون فيها: أوطاناً أو مغتربات، ما أغرى كثيرين منهم، على امتداد خريطة العالم أن تكون لهم منابرهم الشخصية، وهذه ظاهرة كونية، باتت تنتشر على نطاق واسع، ما جعلنا أمام أمرين، أولهما بلوغ الإعلام ذروته، وفي التالي وفرة المعلومة، وثانيهما تمييع الإعلام، في ظل حالة فوضى سرطانية، تخلخل القيم الأصيلة، وتكرس ثقافة الابتذال والتفاهة.
وثمة حالة فلتان حقيقية، بتنا نشهدها، من حولنا، من شأنها تقويض كل القيم الإيجابية التي طالما نهلت منها الأجيال، عبر دورة الزمن، ومن بينها: احترام القوانين، نبذ العنف،  وبث روح المحبة والسلام، واحترام الآخر، ما جعلنا نجد اشتغال بعضهم، عن جهل أو دراية، على قلب المفاهيم الإنسانية رأساً على عقب، وتزوير الحقائق، وتشويه كل ما هو مضيء في المجتمعات، وفرض حالة التيئيس، ناهيك عن تجميل القبيح، ومن بين ذلك ما نشهده  من محاربة أصحاب المبادرات،  ومن يقدمون خدمات لافتة لمجتمعاتهم، ومحاولة الافتراء عليهم، مقابل عملقة شخصيات مسيئة، مذمومة، ليكون هؤلاء: رجالات المرحلة، الذين يدركون أن لا مكانة لهم، إلا بعد تشويه صور سواهم، من الأخيار، أصحاب  الأيدي البيضاء: راحلين، وأحياء، وهذا ديدن هذا النمط من الأقزام.
ولم تبق إساءات هؤلاء ضمن حدود ظهور أحدهم، عبر أحد المنابر الافتراضية، ومحاولة صناعة جمهور ما، وهو في أغلبه جمهور بسيط، متسامح، إلى جانب بعض المغرضين، من طراز- إعلامي المرحلة- بل بات هؤلاء يجمعون حولهم حفنة من أمثالهم الذين  يعانون من- فيروس الشر- بمختلف أشكاله، وهكذا فإننا أمام- كروبات- بأسماء مستعارة، وهمية، أو حتى حقيقية، تتبادل الأدوار، وهي تتناول شخصيات ذات حضور اجتماعي، أو حتى مؤسسات فاعلة، بغرض نسج الأكاذيب حولها، في محاولة الإجهاز على كل ما هو مضيء، في هذا المجتمع أو ذاك، كي يطفو الأنموذج الهشِّ، الرخيص، ويتم، في المقابل، الإجهاز على المختلف: فرداً، أو مؤسسة، وإن في إطار محدد، وهماً من هؤلاء، أن ما يقدم باسم مستعار، أو على لسان شخص حقيقي قد يضع حداً، لهؤلاء المستهدفين، أياً كانوا، أو أن يحاولوا تلطيخ أسمائهم، بنعوت وصفات، هي- غالباً- من العلامات المميزة لمطلقيها، سواء أتم ذلك، من قبلهم، أو من قبل من يستعينون بهم.
و إذا كان هناك من استخدم وسائل التواصل الاجتماعي للابتزاز، وتهديد الآخرين، لكسب المال، فإن هناك من يتم تجنيدهم من أجل القيام بمهمات محددة، من بين ذلك: طعن شخصيات ما، في ظل انعدام الأخلاق واحترام القوانين، بناء على توجيه من مغرضين، من خلال تزيين المهمة لهم، أو استكرائهم، وهذا من ضروب- البلطجة- التي بات بعضهم خبيراً بأداء مهمة الاعتداء على المستهدف، ضمن حملة ما، بمهارة، أو غباء، في محاولة الالتفاف على قانون هذا البلد، أو ذاك، ويتم الحديث عن وجود استشاريين مطلعين على القوانين، في لبوس محامين، عبر هذا الفضاء، يؤدون  مهمتهم، لأغراض خاصة بهم،  نتيجة انتمائهم الروحي  أو الفعلي إلى مثل هذه المافيات، أو نتيجة الالتقاء معهم في السلوك أو المصلحة، أو حتى أداء الدور المرسوم، أو المخطط.
 
يتبع…..

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…