بخصوص المجلس الوطني الكردي من يثقب المظلة

  م.

حج كبه

      “احذروا أن تدوسوا على أحلامي الوردية المكدسة على الطريق فأنا نائم تحت ظلالها”   
        الشاعر الإيراني موسى بيدج

  لا غرابة في أن ترى في حالك الأيام من يصطف معك في خندق النضال ممن لم يشاطروك الكدح التزاماً من قبل، لتحقيق ما كنت تصبو إليه وتؤمن بما كان لك ولهم، لكن الظروف قد ترغمهم للسير معك والتحدث بمنتهى الحماسة عن المشاريع المستقبلية فيما يخصك ويعنيهم، وربما المزايدة عليك في المحافل أو أمام الملأ، إلى أن تعبروا معاً صراط الحقيقة حيث الاختبار والمحك، عندها ترى مَن سيشد أزرك ومَن يتملصن مِن كل ما يجمعه بك مِن أسباب الالتقاء، ويوم الوقوع معاً في مهبٍ عسير ربما تقرأ في عيون مخالفي أفكارك ومناوئي توجهاتك أناشيد التودد بالعشرات، وحين يزول الشرط وتتضح عَقب الظلمة شِعاب المسارات، سترى بأم عينيك شروخ الشقاق في محيا من كانوا بالأمس معك على نمارق الوفاق.
     لذا فمهما حاولت النأي بأُناِسك عن المخاطر المحيقة بهم من خارج الفُلك،  فلا بد من توقع احتمال رؤية نظراءٍ لكَ في المركبة ذاتها التي تُقلك معهم وهم يرومون رمي النبال على الشراع لتحييدها عن المسار الذي اتفقوا معك يوماً لرسمه، رغم إقرارهم أمام الجماهير بأنها سائرة في الاتجاه الصحيح، إلا أن أسقام ماضيهم تحضهم على التقهقر وتُغريهم بالخروج من صفوف الأصحاء والعدول عن جادة الصواب، بما أن حاضرهم مبني أصلاً على مداميك التكتيك الحزبوي لا على قواعد الاستراتيجيا القومية، لأن الواقع يُربكهم ويمنعهم من إظهار خباياهم باعتبارها امتدادات لماضٍ لا يستطيعون نسفه بسهولة، لقاء واقعٍ لم يتحمسوا لصُنعه إنما فُرض عليهم وقبلوه واقعياً ومرحلياً على مضض .

     إذن فإن المظلة التي طال انتظارنا لها والتي حلم بفيئها أغلب أبناء الملة والتي كانت للكثيرين بمثابة المعجزة، في أن يرى يوماً كل هؤلاء المختلفين من الحلفاء والأضداد وهم يعملون معاً تحت ظلالها، لا لشيء سوى تحقيق هدفٍ واحد يجمعهم كافة في مسارٍ واحد وعلى موقفٍ مصيريًّ واحد، فكم كبرت المظلة وقتئذٍ في أعين الغيورين على المصلحة العليا والخائفين معاً على مصير القضية من مكائد وأحابيل الأعداء، لذلك انتابتهم مشاعر الطمأنينة يوم إعلان المظلة كواقية آمالهم وحاضنة أحلامهم أجمعين، فأيقنوا حينها بأن هناك ما يركنون إليه في الأزمات ويعتمدون عليه في الملمات، وبأن هناك من سيحميهم من سهام الألداء أو ساعة تُجحف بحقهم تقلبات السماء، ومن يلوذون به يوم تخونهم الوقائع ودوائر السياسة، وها نحن على أبواب الجلسة المصيرية لامتحان النوايا وتبيان المخفيات من المواقف والمشاريع المبطنة، في محفلٍ يضم كل الذين جاءوا محبةً، أو مكرهين، أو خجلاً، للعمل معاً تحت غطاءٍ سامٍ وغايةٍ نبيلة، مع أن بوادر التقاعس بدأت بالظهور تدريجياً منذ الأشهر الأخيرة من عمر المظلة، من خلال تصريحات بعض الجهات والتصرفات الميدانية لبعضها الآخر، أو من خلال رمي المظلة بنبال التثعلب وقصفها بتأويلاتٍ تدفعها للإرتكاس، تُرى هل كانت المقذوفات من سهو الخواطر تُطلق؟ أم أن القاذف يروم التصويب ولكن الشجاعة تنقصه للجهر بما يضمر، لذا جاء يرمي في الخفاء، بما أنه أُجبر على السير في دربٍ لا يستطيع الفرار من شقاء المسير عليه، لأنه غير مقتنع تماماً بالعمل مع الذين من المفضل لديه أن لا يعمل معهم في خندقٍ واحد وتحت مظلةٍ واحدة، إلا أن عدم وجوده على الخط العام معهم قد يكون بالنسبة له ولأمثاله بمثابة انتحار سياسي على يد قواعده الحزبية أو السقوط في نظر الجماهير، لذا انضم للجموع لا للتفعيل إنما حفاظاً على ماء الوجه إضافة لدوره أو دورهم المميز في العرقلة، ولأجل التخلص من عبء المحمول جاءت المحاولات لتعطيلها، لأن حمل ماهيتها يُثقل كاهل من أُرغموا في وقتٍ ما، وظرفٍ ما، على تبني ما أُقر في ظلها، وتمثُل استحقاقاتها لا عن قناعةٍ إنما خشيةً من خروج الرعية آنئذٍ عليهم، أو مخافة أن يتهمهم أحد بجريمة الخروج عن الإجماع وقتذاك، إلا أن المرء ليس بمقدوره إخفاء نواياه إلى الأبد تأكيداً لمقولة عليّ بن أبي طالب: (ما أضمر أحد شيئاً إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه) وها هي نياتهم وقناعاتهم وتوجهاتهم تظهر من خلال ما يكتبونه ويتفوهون به ويمارسونه على أرض الواقع، وأملنا في أن لا تنصاع الأطراف الأخرى في المجلس لمآرب الأطراف الزئبقية فيه، وأن لا يسمح الشارع الكردي لهؤلاء الذين باشروا بإعلان تقاعسهم عن الأهداف التي أجمعوا يوماً واتفقوا عليها مع نظرائهم من باقي الكتل الحزبية إضافة إلى أطياف المستقلين، وعلى الشارع الكردي أن يُعري هذه الجهات التي تحاول أن تساوم على حقه من داخل المجلس، من خلال محاولاتهم الدؤوبة في خفض سقف مطالب الشعب الكردي إلى ما يتناسب مع أجنداتٍ تتناغم مع توجهاتهم ومن تتقاطع مصالحه مع مصالحهم، لذا على الأحرار في المجلس بوجهٍ خاص عدم التراجع عما تعاهدوا عليه، وعلى الشعب الكردي في سوريا عامةً، أن يكون عامل ضغطٍ على تلك الجهات ويمسك بقوة يد من يحاول إطلاق السهام على المظلة من الداخل، بما أنها مظلةُ آماله وتطلعاته، مظلةُ أحلامه، مظلةً تتعهد بأن تكون محراب صلواته القومية، وتتكفل بأن تحميه من حرارة التيارات العنصرية، التي قد تمنعه مستقبلاً من المكوث في ظلال الحرية والانشراح.

        

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

قامشلو – ولاتي مه : 6 نيسان 2026 برزت إلى العلن مؤشرات على وجود خلافات داخل قيادة حزب يكيتي الكردستاني – سوريا، عقب صدور بيانين متتاليين ومنسوبين إلى اللجنة المركزية للحزب، تضمّنا مواقف متباينة بشأن الأوضاع التنظيمية، ما أثار تساؤلات حول احتمال حدوث انقسام داخلي في الحزب. ففي 5 نيسان، أصدرت اللجنة المركزية بياناً عقب اجتماعها الاعتيادي، تناول جملة من…

شادي حاجي أزمة السياسة الكردية لم تعد عرضاً جانبياً ، بل صيرورة بنيوية . لم يعد السؤال مجرد اعتراف بالقضية ، بل قدرة من يدّعون تمثيل الشعب الكردي على الارتقاء بها . الواقع واضح : أحزاب متنافرة، برامج غامضة، وصراعات شخصية تحلّ محل المشروع القومي والوطني العام . الفرصة التاريخية التي جاءت مع الحرب السورية ذهبت أدراج الرياح بسبب…

خالد حسو وأنا أترقّب هذه العودة، يملأني أملٌ صامت بأن يأتي يومٌ أعود فيه أنا أيضًا، بعد فراقٍ طال حتى أثقلته السنوات، وامتدّ لأكثر من أربعة عقود من الزمن. أربعون عامًا وما يزيد، لم تكن مجرد غيابٍ عابر، بل مسافةً كاملة بين الإنسان وذاكرته، بين الروح ومكانها الأول، وبين القلب وما ظلّ ينتمي إليه رغم كل شيء. كان هذا البعد…

سمكو عمر لعلي يقولون إنّ بعض الظنّ إثم، غير أنّ ما نشهده اليوم يدفع المرء إلى التأمّل العميق، بل وإلى طرح الأسئلة التي طالما حاولنا تجاهلها أو تأجيلها. لقد قلناها مراراً وتكراراً: إنّ الانشقاقات التي عصفت بصفوف الأحزاب الكوردية لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل كانت – في كثير من مراحلها – صنيعة أنظمةٍ معادية، وفي مقدّمتها نظام حزب البعث…