الماركسية والعداء التاريخي للديموقراطية البرلمانية البرجوازية

خالص مسور:

الديموقراطية أوحكم الشعب من قبل الشعب أي يحكم الشعب فيها نفسه بنفسه، ويكون رئيس الدولة وكل القوى الأخرى مسؤولة أمام برلمان منتخب من الشعبب مباشرة،  وهو النقيض المباشر للحكم الديكتاتوري الفردي، وهو الحكم الذي سنقسمه إلى قسمين الأول، وهو الذي يتنبرس بحكم الفرد المتمثل بالقائد الضرورة أو القائد الملهم، أو الزعيم الأوحد، والذي يحكم في العادة من وراء واجهة حزب سياسي لا حول له ولا قوة وبه يتم إخفاء معالم ديكتاتوريته الفردية، ويكون الديكتاتور هنا هو كل شيء في الدولة بينما الآخر أو الشعب فهو لاشيء بل مجرد قطيع من الغنم يقوده ذئب ضار متى ما أراد فسوف يلتهمه كما حدث ويحدث الآن في شوارع وأزقة الثورات وبازارات الربيع العربي،
أي يجمع الزعيم الأوحد هنا في يديه جميع السلطات التشريعية والتنفيذية، ويستحوذ على جميع صلاحيات الحزب الحاكم أو الحزب الذي يحكم بالإسم فقط ويفرغه من مضمونه،  كما هو حال حزب البعث في كل من سورية والعراق أو الحزب الشيوعي في رومانيا بقيادة شاوشيسكو كنماذج بارزة للأحزاب الآرماتية أوالواجهاتية.

أما المفهوم أو القسم الآخر للديكتاتورية فهو نموذج (ديكتاتورية البروليتاريا) أو النموذج الذي يتخذ الحزب الحاكم  لنفسه دوراً نسبياً في تسيير سياسة الدولة أوبطريقة التأثير المتبادل مع الحاكم الفرد ولو ضمن محددات وصلاحيات معينة كما هو الحال مع الحزب الشيوعي السوفيتي والأحزاب الشيوعية أو اليسارية الأخرى التي كانت تدور في فلكه سواء في آسيا ام في أوربا، ما عدا تشاوشيسكو في رومانيا فقد ذكرنا أنه يدخل بشخصيته الحاكمة ضمن الصنف الأول للديكتاتورية وحزبه الشيوعي كان الواجهة الآرماتية فقط لحكمه الديكتاتوري الحديدي والشديد الجبروت والبأس.


وهذه الدول المحكومة نسبياً من قبل بعض من هذه الأحزاب اليسارية كانت تطبق ما سمي حينها بالمركزية الديموقراطية وهي الديموقراطية الخاصة بالبروليتاريا مستبعدة عنها الفئات البرجوازية، وقد عرفها إنجلز بخلاف ما يفسره من هم خارج الماركسية على أنها إصدار الأوامر من الأعلى أو المركز أوهي البروقراطية بعينها، فالمركزية في عرف إنجلز أحد منظري الشيوعية لا تنفي الإدارة الذاتية المحلية الواسعة النطاق والتي هي في حالة الدفاع الطوعي عن وحدة الدولة، وهو ما يزيل دون شك كل مظهر من مظاهر البيروقراطية وكل مظهر من مظاهر «إصدار الأوامر» من أعلى(1).

 
لكن ما سنتناوله هو موقف الماركسية من الديموقراطية والبرلمانات البرجوازية تحديداً، فهل تقبل الماركسية بالديموقراطيات البرجوازية السائدة في الغرب اليوم أم أن لها مفاهيمها الخاص عن الديموقراطية…؟ وجواباً مسبقاً على ذلك نقول: أن الماركسية لا تعترف مطلقاً بالديموقراطية بل ستضمحل الدولة حتماً وستضمحل معها الديموقراطية أيضاً.

فرغم أن لينين يقول بجواز إشتراك الشيوعيين أو الإشتراكيين في البرلمانات البرجوازية ألا انه يشترط أن لا يكون هناك قيد على حرية التعبير لهؤلاء الإشتراكيين وأن يقولوا كلمتهم الحرة فيها غير هيابين ولا وجلين، وبغير هذا فلا يجوز الإشتراك في البرلمانات البرجوازية، فالديموقراطية في نظر الماركسية هي عنف منظم تمارسه الأكثرية ضد الأقلية أي هي حالة غير صحية يتم فيها خضوع الاقلية الصارخ للأكثرية، وهي ديموقراطية الأقلية والأغنياء وحدهم، ويقول ماركس بهذا الصدد: يسمح للمظلومين مرة في كل عدة سنوات بأن يقرروا: مَن مِن ممثلي الطبقة الظالمة سيمثلهم ويقمعهم في البرلمان!(2).

وسيبقى الأمر هكذا إلى أن تأزف ساعة الشيوعية حينها لن يكون هناك عنف منظم كما لن يكون هناك خضوع الأقلية للاكثرية والكل سيأخذ حقه من المشاعة وهي الكلمة أو المصطلح الذي سيطلق على الدولة المضمحلة حسب تعبير إنجلز.

وفي ديموقراطية الشيوعية الحقة – وكما قلنا آنفاً – سيتم إستثناء المستثمرين ظالمي الشعب من الديموقراطية الوليدة في العصر الشيوعي للشعوب، وستفنى الديموقراطية البرجوازية من الوجود وسيعتاد االناس مراعاة القواعد الأولية للمجتمع مجتمع بدون عنف بدون طبقات وبدون قسر او إكراه.

هذا وقد كان الصراع محتدماً بين لينين وكاوتسكي الألماني حول الديموقراطية والدولة، فبينما كان لينين مؤيداً لماركس في قوله بضرورة تحطيم آلة الدولة البرجوازية ومعها الديموقراطية البرجوازية والسير حثيثاً نحو ديكتاتورية الروليتاريا أو الديكتاتورية الشعبية وحكم الفلاحين والعمال المسلحين الثوريين، كان كاوتسكي يرى في الوقت نفسه ضرورة الإبقاء على الدولة البرجوازية وعدم اللجوء إلى تحطيمها أو السعي نحو اضمحلالها، وكان يرى إن هدف نضالهم السياسي ينحصر في الاستيلاء على سلطة الدولة عن طريق اكتساب الأكثرية في البرلمان وجعل البرلمان سيد الحكومة نفسها.
  أي كل ما هو مطلوب لدى كاوتسكي هو الإستحواذ أو السيطرة على البرلمان البرجوازي وجعل البروليتاريا الأكثرية فيه وعندها يمكن تمرير وتطبيق أي قرار تريده الطبقة الكادحة.

هذا هو موقف الشيوعية وباختصار من قضية الديموقراطية البرجوازية التي يجب المشاركة فيها كمرحلة من المستحسن المرور فيها في حال لم يكن هناك حرق للمراحل، ثم يتوجب رفضها بعد ذلك إلى حين تطبيق الديكتاتوريات البروليتارية أو الديموقراطيات الشعبية وحدها دون الديموقراطيات البرجوازية.


………………………………………………………..


1 + 2  –  الدولة والثورة – تعاليم الماركسية حول الدولة، و مهمات البروليتاريا في الثورة 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

قامشلو – ولاتي مه : 6 نيسان 2026 برزت إلى العلن مؤشرات على وجود خلافات داخل قيادة حزب يكيتي الكردستاني – سوريا، عقب صدور بيانين متتاليين ومنسوبين إلى اللجنة المركزية للحزب، تضمّنا مواقف متباينة بشأن الأوضاع التنظيمية، ما أثار تساؤلات حول احتمال حدوث انقسام داخلي في الحزب. ففي 5 نيسان، أصدرت اللجنة المركزية بياناً عقب اجتماعها الاعتيادي، تناول جملة من…

شادي حاجي أزمة السياسة الكردية لم تعد عرضاً جانبياً ، بل صيرورة بنيوية . لم يعد السؤال مجرد اعتراف بالقضية ، بل قدرة من يدّعون تمثيل الشعب الكردي على الارتقاء بها . الواقع واضح : أحزاب متنافرة، برامج غامضة، وصراعات شخصية تحلّ محل المشروع القومي والوطني العام . الفرصة التاريخية التي جاءت مع الحرب السورية ذهبت أدراج الرياح بسبب…

خالد حسو وأنا أترقّب هذه العودة، يملأني أملٌ صامت بأن يأتي يومٌ أعود فيه أنا أيضًا، بعد فراقٍ طال حتى أثقلته السنوات، وامتدّ لأكثر من أربعة عقود من الزمن. أربعون عامًا وما يزيد، لم تكن مجرد غيابٍ عابر، بل مسافةً كاملة بين الإنسان وذاكرته، بين الروح ومكانها الأول، وبين القلب وما ظلّ ينتمي إليه رغم كل شيء. كان هذا البعد…

سمكو عمر لعلي يقولون إنّ بعض الظنّ إثم، غير أنّ ما نشهده اليوم يدفع المرء إلى التأمّل العميق، بل وإلى طرح الأسئلة التي طالما حاولنا تجاهلها أو تأجيلها. لقد قلناها مراراً وتكراراً: إنّ الانشقاقات التي عصفت بصفوف الأحزاب الكوردية لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل كانت – في كثير من مراحلها – صنيعة أنظمةٍ معادية، وفي مقدّمتها نظام حزب البعث…