المؤتمر الثاني للمجلس الكوردي محطة مفصلية

زارا مستو

      لقد فرضت الثورة السورية السلمية حالة جديدة معها أدوات وآليات إلى حد ما تنسجم مع التضحيات الكبيرة التي يبذلها الشعب السوري.

لقد كان تأسيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا بمثابة إنجاز كبير مقياسا مع الظروف السيئة التي كانت تمر بها الحركة الكوردية السورية وحالتها, نعم هذا الإنجاز يشوبه الكثير من الأخطاء والهفوات, وهذا أمر طبيعي, في ظل ثقافة لا تزال مهيمنة على الساحة السياسية منذ أكثر من أربعين عاما, وهي الثقافة الأحادية الشمولية الإقصائية, إن استثنينا ثقافة  المنطقة الشمولية المهيمنة على مفاصل الحياة كلها, لم يكن الجوّ مهيئا لممارسة حياة سياسية في البلد, أو أي نشاط آخر, لا تزال القوى السورية عامة في مرحلة الحبو الديمقراطي, والعمل الجماعي ليس بأمر سهل وممكن, فما خطاه المجلس الوطني الكردي هو بمثابة نواة عمل جماعي مؤسساتي ليس أكثر, في المستقبل ستبنى عليها خطوات أخرى هامة.
في الجانب التنظيمي شكل المجلس هيئات ولجان عدة, وفّق في بعض منها, وفشلت في بعض منها, منذ البداية كانت هنالك إشكالات حول آليات تشكيل واختيار المستقلين والتنسيقيات والأحزاب, واستبعد بعض الشخصيات المهمة في الخارج والداخل, وعلى رغم كل هذه الملاحظات استطاع المجلس استيعاب غالبية القوى والشخصيات الفاعلة في الساحة السياسية, بإمكان المجلس الاستفادة من تجربته الماضية في هذا المجال, لارتقاء بلجانه وهيئاته لتواكب روح الحراك الجاري في الوطن, ولأن  أمام هذا المجلس تحديات أكبر, في المستقبل, ولذا يجب أن يتوافق المجلس ليخرج من معظم مشاكله بسلام.
سياسيا لعب المجلس دورا لا بأس به, كان مشروعه السياسي عبارة عن مبادئ  وخطوط عامة, وبعض مصطلحاته  كانت فضفاضة بحاجة إلى الوضوح.
 من جهة أخرى, شكل هذا المشروع مفاجأة كبيرة للقوى المعارضة العربية, لأن الأخير ينظر إلى القضية من منطلق أن الكورد أقلية تنحل قضيته في إطار حق المواطنة لا أكثر, أما مصطلح حق تقرير المصير, وكوردستلن سوريا, واللامركزية فهي بالنسبة لهم استفزاز  لا أكثر, وهذا ما أكده السيد برهان غليون في صحيفة  (Rûdaw) التي تصدر في هولير في حوار مع صحيفة روداو الكردية يقول برهان غليون رئيس المجلس الوطني السوري – : “ليس في سوريا شيء اسمه ” كردستان سوريا 
– لا نقبل نظام اللامركزية السياسية, بل نقبل بالإدارة المحلية.:” (1), ولذا نحن بحاجة إلى مشروع سياسي واضح المعالم, يتضمن الاعتراف بحقوق الشعب الكوردي وفق المعايير والمواثيق الدولية, ويكون مشروع المجلس واضحا مكتوبا سواء كان  حكما ذاتيا  أم شيئا آخر”.

انتهى
أما أن ينشغل المجلس بمسائل ثانوية – كالدعم الذي قدم لبعض أفراد في الهيئة التنفيذية من قبل حكومة إقليم كوردستان أثناء زيارة وفد الأمانة العامة إليها, وأن يتم فصل أو تجميد بعض الأحزاب أو الأشخاص, وأن تثير ضجة على مواقع النت, وأن ينسحب البعض من المجلس خلفية مسألة كهذا فهو لأمر غير منطقي ومرفوض بكل المعايير, فهذا ما يتمناه الذين يعادون حقوق الشعب الكوردي في سوريا وممثليه على حد سواء,إذا, إثارة هذه المسائل البسيطة لن تفيد قضيتنا على الإطلاق,  طبعا إن لم تكن هناك مأرب أخرى لهؤلاء.

أما المسائل  الخلافية الأخرى كموقف من النظام والمعارضة فهي مسائل جوهرية بحاجة إلى الحوار الجاد والمسؤول ليخرج الجميع بموقف موحد وإن يكن توافقيا, بين الأطراف كلها, وإن تأجل المؤتمر إلى حين لحل كل المسائل العالقة, لأن الذهاب بالمشاكل إلى المؤتمر قد يحدث أي طارئ غير محسوب له, المهم أن يتم الحفاظ على وحدة الموقف والصف في النهاية, , لأن أي انشقاق في الصف الكوردي سيكون ثمنه ضياع حقوق الشعب الكوردي في سوريا وانعكاسا سلبيا على الحراك السلمي برمته في الوطن, ولذا نستطيع القول إن هذا المؤتمر هو محطة هامة مفصلية في تاريخ النضال الكوردي في سوريا.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد جميل محمد عشرات السنينَ الغنيّة بآلاف التجارب على مرّ التاريخ، ومنطق العقل يقول: إن قضايا الشعوبِ ومشكلاتِها وأزماتِها لا تُحلّ بالشعارات الحماسية والصراخ المُجَلْجِل خلف الشاشات، ولا تحلّ بالخطابات الرنّانة والضوضاء والزَّعيق أو بتخوين الآخَرين المختلِفين، ولا تُحلُّ بالفَساد والفاسدين والمفسِدين والمدَّعين الزائفين، ولا باختلاق الأكاذيب وإشغال الناس بالأوهام والركض وراء سراب الوعود الخيالية. عشرات السنينَ، وقضايا الشعوب لا…

إبراهيم اليوسف   إلى أم أيهم رفيقة دربي في بكائها الذي لم يتوقف إلى كل الأمهات اللواتي تقفن ضد الحروب والقتل   مرّت علينا أيام جد ثقيلة كأن الزمن توقف أو انكسر داخلها، إذ لم يعد النهار نهاراً ولا الليل راحةً، إنما كنا في مهب امتداد موجات قلق لا ينتهي. خبر صادم يتلوه خبر مماثل آخر، إشاعة تسبق أخرى….

خالد حسو تظل عفرين، بمعاناتها ورمزيتها الوطنية، حاضرة في الوعي الكوردي، لكنها غائبة عن مراكز اتخاذ القرار في الحوارات السياسية. إن غياب التمثيل العفريني في وفد المجلس الوطني الكوردي المشارك في الحوارات الجارية مع دمشق يثير تساؤلات جدية حول شمولية العملية التفاوضية ومعايير العدالة في التمثيل. فالعدالة في التمثيل ليست مجرد معيار سياسي، بل قضية جغرافية أيضًا. تمثيل كل منطقة…

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…