صلاح بدرالدينالتسويات التاريخية في حياة الشعوب في منزلة نتائج الثورات فعلى سبيل المثال كانت النتيجة المباشرة لهزيمة فرنسا النابليونية واستسلامها في مايو 1814 انعقاد مؤتمر فيينا وكان هدفه تسوية العديد من القضايا واعادة رسم خارطة القارة الأوروبية وتمت تسويات تاريخية لصالح حرية واستقلال الشعوب على أنقاض الامبراطورية العثمانية ومثلها على وقع نتائج الحربين العالميتين وكذلك عندما اندحرت الأنظمة التوتاليتارية في أوروبا الشرقية حيث جرت تسويات تاريخية لصالح حق تقرير مصير الشعوب واعادة النظر في الخارطة الجيوسياسية وظهور كيانات مستقلة جديدة وتوفر التسويات التاريخية في معظم الأحيان الأرواح والخسائر المادية وتقوم على تنازلات ( قد تكون أحيانا كجرعة السم ) لممثلي طبقات وأنظمة ظالمة وحكومات مستبدة وحكام دكتاتوريين وتتم في مراحل مشهودة من حياة الشعوب ففي ظل ثورات الربيع العربي أبرمت أشكال من التسويات سميت تاريخية بين الحكام والشعوب بمبادرة وحماية المؤسسة العسكرية الرسمية ولم تكن مكتملة أو ملبية لارادة الجماهير في بعض حالاتها وقد تتواصل في مراحل لاحقة لتحقق أهدافها فأمثلة ثورات تونس ومصر واليمن تؤكد لنا أن ما أبرمت من – تسويات – لم تكن تاريخية بمعنى التعبير السياسي والفكري أو بتمثيل مصالح الغالبية الشعبية بل استندت الى مبدأ – أنصاف الحلول – وتتحمل القوى الثورية جزءا من المسؤولية اما لأنها أساءت التصرف أو أخطأت الحسابات أو وضعت كل حملها في سلة الاسلام السياسي ورأس حربته الاخوان المسلمون تحت الحجة غير الواقعية والعاطفية الساذجة : (مواجهة بقايا النظام المخلوع) وقد تفوق نسبة هذه البقايا الثمانين بالمائة من المجتمع بينها عمال وفلاحون ومثقفون وحقوقييون ورجال أعمال واعلامييون ومبدعون وكوادر مهرة جلهم لم يكونوا مع الاستبداد بارادتهم ووعيهم ولذلك هناك أصوات ترتفع من أجل ثورة ثانية لاكتمال أسس وشروط ” التسوية التاريخية ” المنشودة وفي بلادنا وعلى سبيل المثال يمكن اعتبار استقلال كل من سوريا ولبنان كدولتين ذات سيادة شكلا من تسوية تاريخية بين الانتداب الفرنسي من جهة والنخب الوطنية في البلدين من جهة أخرى وقد تلكأت عملية تحقيق تغيير ديموقراطي جذري – كتسوية تاريخية – لحل الأزمة الوطنية والخلاص من المنظومة الأمنية الشمولية الأحادية في بلادنا بل تأخرت عقودا لأسباب موضوعية وذاتية وكان المأمول والمفترض أن شروطها اكتملت منذ بداية تسعينات القرن المنصرم لدى انهيار أنظمة الحزب الواحد في شرق أوروبا .
طموحات السوريين في اللحظة الراهنة وبعد واحد وعشرين شهرا من اندلاع ثورتهم وتقديمهم لعشرات الآلاف من الشهداء ومئات الآلاف من المعتقلين والمخطوفين وملايين المشردين والنازحين وبعد كل الدمار الذي لحق بمدنهم وبلداتهم وقراهم ومنازلهم وبعد معاناة الفقر والعوز والحرمان فان ثورتهم التي قامت أساسا في سبيل التغيير الديموقراطي الجذري وتحقيق الحرية والكرامة لن تتوقف الا بانجاز حل يكون بحجم التضحيات وفي مستوى الطموحات وتسوية ستكون تاريخية حقا اذا مااستجابت لارادة السوريين في اسقاط نظام الاستبداد وتفكيك سلطته ومؤسساته القمعية اللاشرعية وازالة كل آثار الدكتاتورية والحكم الشمولي والمنظومة الأمنية ومحاسبة من أجرم بحق الشعب من مسؤولين اداريين وأمنيين وعسكريين وحزبيين وايجاد البديل الوطني عبر الطرق الديموقراطية وارادة الشعب في اختيار ممثليه لاقرار الدستور الجديد والنظام السياسي وتحقيق الشراكة في السلطة والقرار بين التنويعة الوطنية تتجسد بابرام عقد اجتماعي كتسوية تاريخية بين مكونات الوطن الواحد تنجزالحل الديموقراطي السلمي للقضية الكردية على أساس تحقيق ارادة الكرد في تقرير مصيرهم السياسي والاداري في اطار سوريا التعددية الجديدة الموحدة والتسوية التاريخية تقتضي أن يعلن ” عقلاء ” النظام اذا كان مازال هناك من عقلاء أصلا على رؤوس الأشهاد عن التوبة والاعتراف بالجرائم وطلب السماح والتسليم بسقوط النظام الأحادي الشمولي الفئوي البعثي نهجا وخطابا وادارة حكم والانسحاب أمام الثوار ورهن أنفسهم الى القضاء العادل ليقول كلمته هكذا نفهم مسار التحول التاريخي والانتقال من مرحلة الى أخرى وبهذه الحالة هل هناك موضوع يتم التحاور حوله مع الجلادين الطغاة وعن أية تسوية يتحدث أهل النظام .






