مقالات

إقليم كوردستان بين ترسيخ الشرعية الدستورية ومحاولات التعطيل

حسن قاسم
لم تعد الخلافات السياسية داخل إقليم كوردستان مجرد تباينات في وجهات النظر أو تنافس مشروع بين القوى السياسية، بل إن بعض المواقف والممارسات أثارت تساؤلات جدية حول أهدافها وانعكاساتها على مستقبل التجربة الفيدرالية، ولا سيما عندما تتحول الخلافات إلى محاولات لتعطيل المؤسسات الدستورية وإرباك مسيرة الإقليم.
إن ما شهدته التجربة السياسية في الإقليم من تعطيل لعمل البرلمان لمدة عامين، وما رافق ذلك من خلافات وتقاطعات بين الاتحاد الوطني الكوردستاني وحراك الجيل الجديد، يطرح تساؤلات حول مدى إدراك هذه القوى لخطورة تعطيل المؤسسات الشرعية وانعكاساته على مكانة الإقليم وحقوق شعبه الدستورية. فالاختلاف السياسي حق مشروع، والتنافس على السلطة جزء من الممارسة الديمقراطية، لكن تحويل الخلافات إلى أدوات لتعطيل المؤسسات وإضعاف شرعية الإقليم أمر يثير القلق.
وفي هذا السياق، فإن انعقاد جلسة برلمان كوردستان الأخيرة بحضور النصاب القانوني، واستكمال الإجراءات الدستورية وانتخاب هيئة رئاسة البرلمان، يشكلان محطة مهمة في إعادة تفعيل المؤسسة التشريعية وتثبيت شرعيتها. فاستعادة البرلمان لدوره ليست انتصاراً لحزب على آخر، وإنما خطوة في اتجاه إعادة الاعتبار للمؤسسات الدستورية، وترسيخ الحياة البرلمانية، وفتح المجال أمام معالجة الخلافات من خلال الحوار والآليات الديمقراطية.
وفي خضم تلك الأزمات، برزت مقاربة الزعيم مسعود بارزاني القائمة على المرونة السياسية وإعطاء فرص الحوار إلى أبعد الحدود الممكنة، مع الحرص على حماية مكانة الإقليم وسيادته الدستورية. فالمرونة في إدارة الأزمات لا تعني التنازل عن الثوابت، بل تعكس إدراكاً لحساسية المرحلة وضرورة الحفاظ على المكتسبات التي تحققت عبر عقود من النضال والتضحيات.
ولعل أحد أهم عوامل صمود التجربة الفيدرالية في إقليم كوردستان هو الاحتكام إلى الدستور العراقي لعام 2005، الذي أقر بالنظام الاتحادي واعترف بإقليم كوردستان وسلطاته ومؤسساته. فالدستور ليس مجرد وثيقة قانونية، بل هو الضمانة الأساسية لحقوق الإقليم ومكانته ضمن الدولة العراقية الاتحادية. ومن هنا، فإن الدفاع عن الشرعية الدستورية مسؤولية وطنية تقع على عاتق جميع القوى السياسية دون استثناء.
وعلى الرغم من الضغوط السياسية والاقتصادية وأشكال الحصار التي يتحدث عنها الإقليم في علاقته ببعض الجهات الاتحادية، فإن مسيرة البناء والتطوير مستمرة. فهناك جهود في إعادة الإعمار، وتوسيع شبكة الطرق وفق المواصفات الحديثة، وتطوير قطاعات الخدمات، ولا سيما المياه والكهرباء والبنية التحتية. وهي ملفات ينبغي تقييمها على أساس نتائجها الملموسة ومدى انعكاسها على حياة المواطنين.
إن مسؤولية القيادة الكوردستانية لا تقتصر على إدارة شؤون الإقليم فحسب، بل تمتد إلى الاهتمام بمستقبل الأمة الكوردستانية في جميع أجزاء كوردستان، انطلاقاً من الإيمان بأن الأمن والاستقرار والحرية والديمقراطية وحق تقرير المصير تمثل تطلعات قومية مشتركة.
وفي هذا الإطار، نؤكد نحن في قوى المجتمع المدني الكوردستاني، إذ نبارك انعقاد جلسة البرلمان واستكمال الاستحقاق الدستوري وانتخاب هيئته القيادية، وقوفنا الدائم إلى جانب كل من يحمل همّ قضية الشعب الكوردي، ويعمل بإخلاص من أجل نيل حقوقه القومية المشروعة، وتحقيق حريته وامتلاكه حق تقرير مصيره. كما نؤكد أن المجتمع المدني ليس طرفاً في الصراعات الحزبية الضيقة، بل هو شريك في حماية المكتسبات الوطنية، وتعزيز المؤسسات، وترسيخ الديمقراطية والتعددية والتعايش.
إن إقليم كوردستان ليس ملكاً لحزب أو قيادة، بل هو حصيلة نضال شعب بأكمله، ومسؤوليته التاريخية تقتضي من جميع القوى السياسية صون مؤسساته الدستورية، وتغليب المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية.
أما حملات التشويه والتضليل التي تستهدف التجربة الكوردستانية، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، فلن تكون بديلاً عن النقد السياسي المسؤول والحوار الديمقراطي. فالتجارب لا تُقاس بحجم ما تتعرض له من انتقادات، وإنما بقدرتها على تطوير مؤسساتها وتصحيح أخطائها والاستمرار في خدمة مواطنيها.
إن حماية الشرعية الدستورية في إقليم كوردستان ليست مسؤولية طرف سياسي بعينه، بل مسؤولية تاريخية مشتركة، لأن ما تحقق لم يكن منّة من أحد، وإنما ثمرة عقود من النضال والتضحيات، ومن واجب الجميع الحفاظ عليه وتطويره وصونه للأجيال القادمة.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى