مقالات

قراءة في تصريحات السيد، توم باراك، ومستقبل الاستثمار في سوريا الجديدة

قراءة في تصريحات السيد، توم باراك، ومستقبل الاستثمار في سوريا الجديدة

محمدأمين سعدون

وضعت التصريحات الأخيرة للمبعوث الأمريكي إلى سوريا السيد، توم باراك، حول الاقتصاد السوري ووجهة الأستثمارات إلى سوريا، النقاط على الحروف في مسألة بالغة التعقيد والتشابك، تشغل أذهان المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال اليوم، حيث أكد باراك صراحة في تلك التصريحات المقلقة للسوريين “أن سوريا حالياً ليست دولة منتجة للإيرادات”، وأضاف “إن إيجاد أحد يأتي للاستثمار في سوريا هو أمر شبه مستحيل”، وأعاد إلى الأذهان، “بأن سوريا خرجت حديثاً من تصنيفها كدولة “راعية للإرهاب”، لكن هناك عقوبات وتقييدات لا تزال موجودة، وأضاف أن البيئة “غير آمنة”، والنظام المصرفي ما يزال ” غير متعاون”، كما بين بأن على عاتق سوريا “ديوناً تصل إلى مئات مليارات الدولارات”. مما يجعل إقناع الشركات الكبرى بالاستثمار فيها تحدياً هائلاً ومهمة بالغة الصعوبة مقارنة بدول إقليمية التي تمتلك قاعدة إيرادات نفطية وبنية تحتية جاهزة ومستقرة؛ هذا التشخيص يفتح الباب أمام سؤال محوري ومصيري: هل تمتلك سوريا اليوم بيئة استثمارية جاذبة، أم أنها بحاجة لسنوات من إعادة البناء قبل أن تدور عجلة اقتصادها؟
الواقع الحقيقي يشير إلى أن المستثمر لا يتحرك بالنيات الحسنة والعواطف النبيلة، بل يفهم لغة الأرقام والأرباح والعوائد والمخاطر. وسوريا اليوم، رغم ما تحمله من فرص واعدة في قطاعات النفط و الطاقة وتطوير الموانيء والمطارات والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والتطوير العقاري والزراعي والصناعي والسياحي والفندقي وتطوير الموانيء وإعادة الإعمار وإصلاح البنية التحتية وغيرهما، تواجه عوائق هيكلية حادة؛ النظام المصرفي يعاني من إنهاك شديد، والقيود على الصادرات وغياب الضمانات الأمنية المستدامة، بالإضافة إلى تدمير البنية التحتية من كهرباء وطاقة وخدمات لوجستية، كلها عوامل تزيد من تكلفة الإنتاج وتطيل من فترة استرداد رأس المال. قطاع النفط والطاقة في سوريا مثلاً يحتاج، حسب التقديرات والخبراء، من (٥ إلى ١٠) أعوام وأكثر، ليبدأ في توليد عوائد ملموسة، وهي مدة طويلة تثير توجس رؤوس الأموال العابرة للقارات.
تتضاعف هذه التحديات مع الأخذ بعين الاعتبار المتغيرات الجيوسياسية الراهنة؛ فالدول التي كان يُراهن عليها لتكون الرافعة المالية الأساسية لإعادة الإعمار مشغولة بملفاتها الذاتية ومنغمسة بمشاكلها الداخلية والصراعات الإقليمية والدولية. أوروبا ما تزال تعاني من التبعات الاقتصادية العميقة للحرب الروسية الأوكرانية، وأزمات الطاقة والمهاجرين والتضخم. أما دول الخليج العربي (كالسعودية والإمارات وقطر والكويت) – ورغم إبداء رغبتها وجهودها الدبلوماسية النشطة لفتح قنوات ومسارات استثمارية ودعم الاستقرار في سوريا، فإنها محاطة بإقليم ملتهب وحرب غير معلنة بفعل التوترات المستمرة بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران وفصائلها من جهة أخرى.
تركيا كذلك تعاني من صعوبات اقتصادية والتضخم وصراعات إقليمية و مشاكل داخلية متداخلة ؛ هذا الانشغال الدولي والإقليمي أدى بطبيعة الحال إلى شح السيولة الأجنبية الموجهة إلى داخل السوق السورية الجديدة والتريث في ضخ استثمارات ضخمة.
لكن في الجانب الآخر، ومخالف للتصريحات باراك، نرى دخول بعض الشركات الأمريكية التي تعمل في قطاع النفط والغاز والطاقة والتطوير العقاري إلى سوريا وهي بوادر لبناء بيئة ملائمة لجذب الاستثمارات وإعادة الثقة للمستثمرين الطامحين للاستثمار في الأراضي السورية، على أعتبار ساحة خصبة وأرض بكر للاستثمار وتفيض بالعوائد المالية، ومحاولات أمريكية حثيثة لفرض تحكم وسيطرة أكبر، لكل من البنك وصندوق النقد الدوليين على القطاعين المالي والمصرفي في سوريا..
بناءً على هذا المشهد المعقد، ما هي الآليات والمسارات الفعالة التي يمكن أن تجلب الاستثمارات إلى سوريا وتساهم في نهضتها وازدهارها؟
الآلية الأولى: المرونة السياسية والتشريعية والرقابية والتحديث المصرفي وتخفيف الرسوم الجمركية.
لا يمكن جذب رأس المال دون تأسيس دولة مواطنة متساوية، ديمقراطية لامركزية موسعة، ودستور عصري يفصل بين السلطات ويحمي حقوق الشعب الكردي وباقي المكونات، وكذلك محاربة الفساد والروتين عبر أتمتة المعاملات الحكومية بالكامل، لتقليص البيروقراطية والرشوة وتسهيل أجراءات الشركات عبر نافذة موحدة. ونظام مصرفي حديث يضمن حرية حركة الأموال، وتحويل الأرباح، والشفافية المالية، يتطلب ذلك مرونة تشريعية استثنائية تقدم حوافز ضريبية وإعفاءات طويلة الأمد للمستثمرين الأجانب والمحليين على حد سواء لتعويض مخاطر البيئة الاستثمارية الحالية.
الآلية الثانية: الاندماج والشراكة بين القطاعين العام والخاص.
بما أن الموازنة العامة للدولة تعاني من ضعف الإيرادات، فإن الحل الأمثل لبناء البنية التحتية المتينة (مثل محطات التوليد، شبكات المياه، وسكك الحديدية، والطرق البرية، التنقيب وخطوط النفط وسلاسل الأمداد) يكمن في عقود البناء والتشغيل ونقل الملكية. هذا المسار يتيح للشركات الأجنبية والإقليمية إدارة المشاريع الكبرى لسنوات وتحصيل عوائدها مباشرة، مما يقلل العبء المالي عن الدولة السورية ويوفر خدمات فورية للاقتصاد.
الآلية الثالثة: الدبلوماسية الاقتصادية وتخفيف القيود.
يتعين على الإدارة السورية، بالتنسيق مع الشركاء الدوليين والإقليميين، الاستفادة من الجهود الدبلوماسية الراهنة لتخفيف القيود المفروضة على الصادرات والتقنيات الحديثة. بناء الثقة التدريجي والاستقرار الأمني الميداني هما المفتاح الأساسي لطمأنة شركات الطاقة الدولية الكبرى للدخول تدريجياً إلى السوق السورية.
يمكن القول إن سوريا ليست عاجزة، بل هي في مرحلة انتقال اقتصادي حرجة. تصريح توم باراك لا يعلن استحالة الاستثمار بشكل مطلق، والدليل كما بيننا دخول بعض الشركات الامريكية إلى سوريا، بل يصف واقعاً اقتصادياً يتطلب مخاطرة محسوبة وجهوداً هيكلية ضخمة. ووفق خريطة الأستثمارات في سوريا، يرى بعض الخبراء الاقتصاديين والمستثمرين، بأن هناك إمكانية تركز الاستثمارات في مناطق محددة وثم تتمدد تدريجياً إلى المناطق الأخرى، حسب تحسن البنية التحتية والظروف السياسية والأمنية في البلاد. وهنا كأن قطار الأستثمارات قد بدأت من شمال وشرق سوريا وبوادر أمل بأن تبدأ في الأشهر المقبلة في مناطق الساحل، مستنتجاً ذلك من تصريحات باراك الأخيرة والمثيرة، مؤكداً تأثره العميق للأنتهاكات التي طالت العلويين، قائلاً” وهذا يكسر قلبي” وتأكيده على أنفتاح الإدارة الامريكية على الحوار مع ممثلي المكون العلوي بكافة توجهاتهم السياسية، سواء المؤيدة للحكومة السورية أم المعارضة لها، وتنتشر وتتسع بعد ذلك لتشمل كامل التراب السوري.
في النهاية، بناء سوريا الجديدة لن يحدث بعصا سحرية وبين ليلة وضحاها، وإنما عبر مسارات متأنية، تبدأ من إصلاح البيئة السياسية والتشريعية والأمنية والمصرفية الداخلية، وتمر عبر استغلال الدعم الدبلوماسي الدولي والإقليمي، وصولاً إلى تحويل مساحة الركام الحالية إلى أكبر ورشة عمل استثمارية في الشرق الأوسط خلال العقود القادمة.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى